تجارة السلاح آفة العصر.. تحكمها الان معاهدة دولية
الدوحة في 18 يناير /قنا/ تتنوع التجارة بتنوع حاجات البشر وتداخل مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية والحياتية وبالتالي تصبح التجارة بمفهومها المطلق حاجة وضرورة من ضرورات استمرار الحياة البشرية، لكن ليس كل أنواع التجارة تجري وفق أسس ومعايير وقوانين محددة تضع في اعتبارها الاول حاجات البشر الحياتية، ولعل تجارة السلاح في العالم تمثل هذا النوع من التجارة غير المنضبطة أو غير الخاضعة لأعراف وأسس محددة بل تتحكم بها في غالب الاحيان قضايا السياسة والمصالح الامنية قبل الاقتصادية فضلا عن علاقات الدول بعضها بالبعض الآخر.
ومن أجل ضبط هذا النوع من التجارة لجأت الامم المتحدة بصفتها المؤسسة الدولية الراعية لأمن ومصالح الشعوب واستقرارها الى وضع أسس ومعايير مبنية على قوانين تحدد وتنظم الاطر الصحيحة لتجارة الاسلحة في العالم صاغتها في إطار معاهدة دولية لتنظيم تجارة الأسلحة التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات والتي بدأ العمل بها وتطبيقها مع بداية العام الجديد 2015 عقب موافقة غالبية الدول الاعضاء بالمنظمة الدولية عليها وهو الامر الذي وصفه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بأنه فصل جديد في هذا المجال.
وقال بان كي مون في معرض تعقيبه على الاعلان عن بدء العمل بهذه المعاهدة "إنه يأمل أن تحول المعاهدة دون وصول الأسلحة إلى أمراء الحرب ومنتهكي حقوق الإنسان والإرهابيين والمنظمات الإرهابية".
يشار الى أن المعاهدة تمنع أيضا بيع السلاح إذا كان في ذلك دعم لجرائم الحرب أو الإبادة، وكان أكثر من مائة وثلاثين دولة عضوا بالامم المتحدة قد وقعت حتى مطلع يناير الجاري على المعاهدة ولكن الولايات المتحدة أكبر مصدر للسلاح في العالم، لم توقع عليها، غير ان الولايات المتحدة كانت قد وافقت على فكرة ومبدأ هذه المعاهدة عند الشروع في صياغتها عام 2013 ولكنها تحتاج إلى موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي حيث يلاقي التوقيع النهائي عليها معارضة كبيرة.
ولم توقع بعض الدول الرئيسية في مجال تجارة السلاح كذلك مثل الصين وروسيا والهند وباكستان هذه المعاهدة حتى الآن .
ومضى بان كي مون يقول في تصريحه الذي عقب به على إقرار المعاهدة "إنها تمثل بداية فصل جديد في جهودنا المشتركة لإدخال المسؤولية والمحاسبة والشفافية لتجارة السلاح في العالم"، وأضاف "إن المعاهدة دليل على عزمنا المشترك للحد من المعاناة البشرية عن طريق منع نقل السلاح الى المناطق التي تعاني من النزاعات والعنف"، ودعا بان كي مون جميع الدول للانضمام للمعاهدة دون تأخير.
ومن جهتها دعت منظمات كبرى أخرى تعنى بتنظيم تجارة السلاح مثل منظمة العفو الدولية وتحالف السيطرة على التسلح الحكومات إلى الالتزام الجاد بمبادئ المعاهدة.
ووقع نحو 130 دولة على المعاهدة وصدقت عليها خمس من كبرى الدول المنتجة للسلاح وهي بريطانيا وفرنسا والمانيا وايطاليا واسبانيا حيث تنظم المعاهدة نقل الأسلحة التقليدية التي تتراوح بين الأسلحة النارية الصغيرة والدبابات والمدفعية عبر الحدود، هذا في وقت تقدّر فيه تجارة السلاح الدولية بنحو 85 مليار دولار في العام ويقول بعض المحللين إن الرقم أكبر من ذلك.
وكانت المسودة الأولى لمعاهدة الأمم المتحدة المتعلقة بتجارة الأسلحة قد قُدّمت الى الجمعية العامة للامم المتحدة بعد سبع سنوات من المفاوضات حيث تبنتها الجمعية العامة بغالبية 154 صوتا وامتناع 22 و"معارضة" ثلاثه أصوات فقط لمشروع الاتفاقية حول الاتجار بالأسلحة التقليدية.
ويعترف القانون الدولي بحق كل دولة بالدفاع عن شعبها ويعترف بمشروعية انتاج واستيراد وتصدير ونقل وامتلاك السلاح ويمنعها من كل هذا اذا استخدمت هذه الأسلحة للعدوان أو احتلال دول أخرى أو شعوب أخرى...وصحيح أنه لا يعلم مسبقا اذا ما كان السلاح سيستخدم لأهداف مشروعة أو لا، لكن الحجم الهائل الذي ينتجه العالم من الأسلحة الخفيفة لا علاقة لها بالاستخدام المشروع الذي يمكن أن يكون. ويجب أن لا تفاجأ البشرية بأن يتم استخدام هذا السلاح لأهداف غير مشروعة تؤدي إلى آلام في البشرية.
هذه المعاهدة نوقشت في الجمعية العامة للأمم المتحدة في إطار مؤتمر نزع السلاح وكانت تُقَدّم كما لو أنها ملحق للأسلحة الخفيفة في موضوع منع انتشار الأسلحة النووية. وهذا خطأ كما أعلن مسؤولون بالامم المتحدة حيث قالوا : "هذه ليست معاهدة نزع سلاح ولكنها معاهدة حول التجارة المسؤولة عن السلاح".
وبمعنى آخر فإن النص الأصلي لهذه المعاهدة كما قدمه رئيس وزراء بريطانيا الاسبق توني بلير لم تكن غايته النهائية دعم السلام بل حماية المصنعين وتجار السلاح في بريطانيا وتوسيع نطاق ما يسمى "عقيدة بلير".
والشيء نفسه فإن الحرب تصبح حربا "أخلاقية" عندما تشن تحت عنون إنساني ومن أجل مكافحة خروقات حقوق الإنسان "بالمعنى الانكلو-ساكسوني للكلمة" وبهذا تصبح تجارة بشرط واحد هي ان لا تباع إلى مشترين مارقين وليس لهم تاريخ في خرق حقوق الإنسان ودائما حسب المفهوم الأنكلو-ساكسوني، عِلْما أن ثلاثة أرباع التجارة الدولية للأسلحة الخفيفة تتحكم بها ست دول منتجة وأي معاهدة حول هذا النشاط لا يمكن تطبيقها الا بعد توافق بين هذه الدول وهي المانيا، الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا وروسيا. وهذا يعود لإيجاد مجموعة بائعة تستطيع فرض أسعار لرفع هامش أرباحها. وهذا ما لخصه مراقبون دبلوماسيون في المنظمة الدولية بالقول : "الآن تستطيع صناعة الأسلحة أن ترتاح على أذنيها لأنها تدافع عن مصالحها." من جهة أخرى وبما أن المجموعة المصنعة والبائعة تضم الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي فسيكون لهم سلطة منع أي دولة من التزود بالسلاح في السوق الدولي. ومنعها من امتلاك وسائل الدفاع المشروع عن النفس.
وفي النهاية فإن مشروع المعاهدة ولد مشوّها حتى رغم الموافقة عليه بسرعة فائقة من قبل 50 دولة ثم بقية الدول الموقعة ممن قالوا نعم ودخل حيز التطبيق لدى هذه الدول فإنه لن يصبح قابلا للتطبيق. فالصين وروسيا رفضتا الدخول في مجموعة المصنعين الغربية، رغم المصالح الاقتصادية التي يمكن أن يحصداها.
وفي رأي الصين وروسيا أن الجهات التي تقف وراء تجارة الاسلحة في العالم هي "الدول الرأسمالية الغربية وكبار ارباب الصناعات العسكرية في الغرب".
وتفرض هذه المعاهدة لأول مرة قيودا على تجارة الأسلحة التقليدية الدولية التى تصل قيمتها إلى 70 مليار دولار أمريكي سنويا.
وفي هذا الصدد فإن إقرار هذه المعاهدة وتبنيها دوليا يُعَدّ انتصارا لشعوب العالم إذ من شأن معاهدة تجارة الأسلحة أن تزيد من صعوبة وصول الأسلحة الفتاكة إلى السوق المحظورة وتسهم في منع أمراء الحرب والقراصنة والإرهابيين والمجرمين وأمثالهم من الحصول على أسلحة قاتلة .
وكان مؤتمر الأمم المتحدة الأخير حول معاهدة تجارة الأسلحة، والذي عقد في أواخر ديسمبر المنصرم قد أخفق في التوصل إلى اتفاق حول نص المعاهدة - الذي اعترضت عليه بعض الدول في العالم الثالث ...وبينما تَطَلّبَ مؤتمر معاهدة تجارة الأسلحة إجماعا كاملا - بدون اعتراض عضو واحد - احتاج تمرير القرار بشأن المعاهدة في الجميعة العامة إلى أغلبية بسيطة فقط.
ويبدو بأن أُفُق التصديق على المعاهدة في مجلس الشيوخ الأمريكي ليست وردية، حتى على الرغم من أن المعاهدة لا تُقَيّد الحق في حمل الأسلحة كما ينص الدستور الأمريكي حيث تلقى المعاهدة معارضة من قبل المنظمات المؤيدة للأسلحة في الولايات المتحدة، ومعظم من أعربوا عن قلقهم إزاء المعاهدة أو اعتراضهم عليها في الولايات المتحدة يجادلون بأنها تفتقر إلى التوازن والإنصاف وتصب في مصلحة الدول المصدرة للأسلحة والولايات المتحدة أكبر دولة مصدر للأسلحة في العالم.
ويرى مراقبون سياسيون أن "هذه معاهدة ذات أنياب"، ولكنها لا تحتوي على إجراءات تنفيذية، إذ تدعو الدول المصدرة إلى ضمان عدم وصول الأسلحة إلى من يرتكبون إبادة جماعية أو ينتهكون حقوق الإنسان أو يتدخلون في العمل الإنساني، وأضافوا قائلين "عندما تفكر فيها، ترى أنها تنظيم للتجارة. ولكنها أكثر من هذا. إنها تتعلق بحقوق الإنسان والقانون الإنساني، ومرتبطة بشكل أساسي بالدفاع الوطني".
ووصف رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، المعاهدة بأنها "اختراقة" و"قوية وتستحق العمل من أجلها"، موضحا بأنه في عام 2006 دعت الدول الأعضاء إلى بذل جهود متعددة الأطراف لإنتاج أداة ملزمة قانونا، وتحديد معايير عامة لإستيراد وتصدير ونقل الأسلحة التقليدية لتشمل السفن الحربية والدبابات القتالية والطائرات المقاتلة والمروحيات الهجومية إضافة إلى الأسلحة الصغيرة والخفيفة.
واشار الى انه " شخصيا يعتقد بأن النص النهائي الصادر عن عملية التوقيع عليها يلبي تلك الالتزامات إلى حد كبير"، مضيفا أن النص يربط بين وجود الأسلحة في الدول النامية والتحدي الذي تفرضه التنمية المستدامة وحماية حقوق الإنسان.
وقال إنه "منذ سبع سنوات شهدت سبع دول الضرر الناجم عن التنظيم السيء لتجارة الأسلحة التقليدية ... لقد استمعنا إلى أصوات شعوب العالم التي تعيش في خوف بسبب الصراعات المسلحة والعنف المسلح وعزمنا على إتخاذ عمل"...وأضاف "هذا هو المعلم الوحيد في رحلتنا الطويلة إلى عالم أكثر سلامة وعدلا ... ونحن مستعدون حاليا لاتخاذ أولى الخطوات على مسار التنفيذ،إن مسئوليتنا الخاصة تجاه هذه المعاهدة لا تتوقف عند هذا الحد. هذه المعاهدة قوية حاليا، ولكن يتعين علينا العمل سويا من أجل جعلها أكثر قوة".
وقال مؤيدو المعاهدة على مدار الأيام العشرة الأخيرة من عملية التصويت والتوقيع وفي جلسات الجمعية العامة إنه من الممكن تقوية المعاهدة بمرور الوقت عبر تعديلات.
وفي هذا السياق قالت الصين عبر مندوبها الدائم لدى الامم المتحدة إنه "يمكنها دعم أية معاهدة يتم التوصل إليها بالإجماع" ولكنها لا تؤيد "الدفع باتجاه معاهدة متعددة الأطراف لتنظيم تجارة الأسلحة في الجمعية العامة"، مشيرة الى قلقها الشديد إزاء إمكانية عمل سابقة سلبية في شكل مفاوضات متعددة الأطراف لتنظيم تجارة الأسلحة".
كما أشارت إلى أن مثل هذه المعاهدات عادة ما يتم التوصل إليها بالإجماع عبر التفاوض، والقرار لم يعالج "قلق الصين"، مضيفا "لا نعتقد أنه يشكل سابقة للمفاوضات المستقبلية المتعلقة بتنظيم تجارة الأسلحة بمختلف انواعها".
بدورها روسيا التي امتنعت عن التصويت على المعاهدة والتوقيع عليها بررت ذلك بالقول " هناك عدة أوجه من القصور" في المعاهدة بما في ذلك الافتقار إلى تعريف دقيق لمصطلحات مثل الإبادة الجماعية...فيما رأت بعض دول الشرق الاوسط والتي امتنعت ايضا عن التصويت عليها أن المعاهدة لا تتضمن تعريفات واضحة لبعض المصطلحات مثل "المستخدم النهائي" للسلاح ، مضيفة بأن المعاهدة تحتاج إلى معايير تحدد تطبيقها، مشيرة الى أن "إدراج مرجعية واضحة تحدد جرائم العدوان والاحتلال الأجنبي كجزء من التقييم من شأنه أن يوضح عملية التطبيق".
وكانت هذه إشارة واضحة إلى إسرائيل وجاءت في كثير من تعليقات دول بالشرق الأوسط على المعاهدة.
وفي الوقت نفسه قالت بعض الدول العربية "نحن بحاجة إلى معاهدة جيدة لا نندم عليها في وقت لاحق، ولا تستخدم في استغلال سياسي من قبل بعض الدول ضد الأخرى"، وقالت "لا نستطيع أن نقف في وجه معاهدة نتطلع إليها جميعا، ولكن هؤلاء الذين يعرقلون التوصل إلى معاهدة متوازنة ومنصفة هم الذين يرفضون الاهتمام بالمخاوف ومشاعر القلق لدى قطاع كبير من الدول الأعضاء".
ويبدو ان الجدل بشأن هذه المعاهدة سيستمر طالما استمر تضارب المصالح بين الاطراف المنتجة والمصدرة لتلك الاسلحة وبين الدول والاطراف المستوردة ...غير ان الجميع محكوم في النهاية بقواعد وأسس أرستها هذه المعاهدة طالَ الجدلُ أم قَصُرْ.
تقرير / الابحاث والدراسات
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو