صناعة العود بين المحافظة على الموروث والبحث عن الابتكار
الدوحة في 20 مارس /قنا/ ما بين لحن ونغمة يحملنا صوته إلى عالم من الخيال والأحلام وما بين ريشة ووتر، أنغام وألحان تنساب في أعماق النفس الإنسانية وصدى يدغدغ الروح، آلة تأخذك بدقة تفاصيلها وجودة صناعتها وروعة زخرفتها وتركيبها.. إنها آلة العود ..الأب الروحي في عائلة التخت الشرقي وعنوان الطرب الأصيل.
هذا الجمال والسلام الروحي تستمده حقا عندما تتجول في الحي الثقافي كتارا وتحديدا في الأركان المخصصة لصناعة العود، حيث تلتقي في إطار مهرجان الوتر الخامس بعدد كبير من أمهر صناع آلة العود يقدمون نماذج للآلات التي صنعوها ومعلومات ثرية للمهتمين.
فنجد جناحا خاصا بآلة العود العربي، وآخر للتركي، وجناحا مخصصا للعود الشرقي والعود الدمشقي.
ورغم أن مكونات الآلة هي ذاتها تقريبا في مختلف هذه الأنواع، حيث نجد الصندوق خشبي، الوجه، الفرس، الرقبة، العضمة، المفاتيح، الأوتار والريشة، إلا أن الاختلاف بين عود وآخر يكمن مثلا في طول الرقبة أو في الفرس فهي تكون متحركة في نوع وثابته في آخر، كما أن الاختلاف يكمن في عدد الأوتار أيضا ورغم بساطة هذه الاختلاف إلا أنها محورية في تمييز العود عن الآخر ومعرفة أصل ومكان العود من خلال وضعية أوتاره أو شكله الخارجي.
وفي هذا الإطار، عبر صانع العود السيد زاهر خليفة من سوريا ،في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، عن سعادته للمشاركة في مهرجان الوتر الخامس من خلال تقديمه للعود الدمشقي بمختلف أنواعه لهذا الجمهور العريض.. وقال "لاحظت إقبالا مهما من مختلف الشرائح العمرية على آلة العود".
وعن خصوصية العود الدمشقي، أوضح زاهر خليفة "اشتهرت دمشق عبر الزمن بصناعة العود، حيث عرف العود الشامي أو الدمشقي بدقة الصنع، بدءاً من الوتر وانتهاء بالوتد، ويشتهر العود الدمشقي بصناعته المعتمدة على خشب الجوز والمشمش . ويرد زاهر ذلك إلى جودة هذه الأخشاب وتواجدها بكثرة في غوطة دمشق كما يمتاز تصميمه بشكله الراقي الكلاسيكي وزخرفته القليلة لكونه يعتمد على عرق الخشب والتزيين بفسيفساء بسيطة.
ولفت إلى أن تصنيع العود يتضمن 72 مرحلة وقد ينتهي من صنع آلة خلال يومين أو عشرة أيام بناء على شكل العود ودقته وزخرفته.
وفي تصريح مماثل، قال الأستاذ فيصل الطويهري صانع عود وأستاذ موسيقى من تونس إن "العود التونسي يسمى أيضا بالعود العربي ويصنّف ضمن عائلة الآلات الوترية المنقورة من ذوات العفق وبالتحديد ضمن فصيلة العود المغاربي الأندلسي ويختلف عن العود الشرقي في الحجم والشكل والمقاسات فذراعه أطول حيث يبلغ طوله 24 سم وصندوقه المصوّت أصغر وصوته أحدّ، ويحوي أربعة أوتار مضاعفة تسوّى وفق الترتيب التالي ( دو كردان، صول نوا، ري محيّر، وري دوكاه ) في حين يحوي العود الشرقي عادة على 5 أو 6 أوتار مضاعفة كما تختلف طريقة مسك الريشة وتقنية العزف في كلا العودين".
وأضاف الطويهري أن العود العربي في تونس يشبه العود العربي المتداول بشرق الجزائر في الشكل والمقاسات وعدد الأوتار ويختلف عنه في طريقة التسوية حيث يسوّى هذا الأخير وفق الترتيب التالي (صول نوا، ري دوكاه، لا حسيني و دو راست ) و حسب الاصطلاح الأندلسي ( ذيل حسين ماية رمل).
ويرجّح بعض الباحثين تسميته بالعود العربي نسبة إلى المدرسة العودية العربية التي ركّزها زرياب بالأندلس، مع العلم أنّ عود زرياب كان يسوّى وفق تتالي الرباعيات ( زير، مثنى، مثلث، بم ) أي ما يوافق الاصطلاح الحديث ( دو، صول، ري، لا ) فأضاف بالأندلس الوتر الخامس وهو أكثر الأوتار حدّة وثبّته بين المثلث والمثنى أي بين الصول و الري ثم حذف في ما بعد وتر اللا عشيران حتى ينسجم مع نظرية الطبائع الأربع فتحصلنا بذلك على تسوية العود العربي المستعمل بتونس.
ومن جانبه، قال صانع العود التركي علي نشادر ،في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن العود التركي يعتبر من أبرز أنواع العود وهو مصنوع من الخشب الخفيف الذي يعطي نغمة قوية مميّزة، وقد تميّزت مدينة اسطنبول بهذه الصناعة لتنتج آلة موسيقية مميّزة يستخدمها الملحنون ويبدعون في استخدامها.
وأضاف نشادر أن العود التركي يختلف عن العود الشرقي والذي سمّي بهذا الاسم نسبةً إلى البلدان العربية التي تقوم بتصنيعه مثل مصر وسوريا، كما أنّ الخشب المستخدم في صناعة العود الشرقي أخشن من الخشب المستخدم في العود التركي.
ويقول كارل فرو، صانع ومصمم آلة عود من ألمانيا، في تصريح صحفي، "أتشرف بالمشاركة في مهرجان الوتر الخامس.. وهذه المرة الأولى التي أسافر فيها إلى الشرق الأوسط"، موضحا أن آلة العود، شكلت نقطة الالتقاء بين الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية، حيث ساهم العود كآلة موسيقية قديمة في تطوير الموسيقى سواء العربية أو الموسيقى في أوروبا على غرار موسيقى الجاز. كما عرف العود تطورا كبيرا ترافق مع ما شهده المجتمع من تحولات عديدة.
وأضاف: "اقتربتُ من آلة العود منذ عشرين سنة عندما تعرّفت على صديق كان مهتما بالموسيقى العربية التي كانت تشكل ميدانا جديدا بالنسبة لي، وقد استهوتني كثيرا وخصوصا آلة العود التي فتحت المجال أمام الموسيقي لدخول مجالات تعبير جديدة لما فيها من قوة وعاطفة وتأثير".
من جانبه، أشاد نزيه غضبان أستاذ فلسفة وصانع لآلة العود من لبنان بالمهرجان وما يتيحه من فرص لتبادل الخبرات والتجارب. فيما قال موريس فاروق صانع عود من مصر، إنّ هذا المهرجان من شأنه أن يدعم الإرث الحضاري والثقافي لآلة العود ويسلط الضوء عليها لما لها من قيمة في الثقافة العربية والعالمية.
English
Français
Deutsch
Español