16 سبتمبر 2022

الدورة الـ77

الجمعية العامة للأمم المتحدة.. الأزمة الروسية الأوكرانية تلقي بظلالها على الوضع العالمي

  • QNA Images
  • QNA Images

الدوحة في 15 سبتمبر /قنا/ يتزامن انعقاد الدورة السابعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة مع تسارع الأحداث العالمية على ضوء عديد التحولات والتغيرات الجيوسياسية في مختلف المناطق، وتصاعد التوترات الدولية، وتركز مفهوم "القطبية" وإعادة إحياء الحرب الباردة التي كشفت عنها العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، فضلا عن تباين المواقف بين الدول الكبرى حيال عديد الملفات المصيرية، لتشكل جميعها رهانات تستدعي حلولا تعزز الأمن والسلم الدوليين.

 

ويترقب الرأي العام الدولي نقاشات زعماء العالم خلال هذه الدورة من الاجتماعات السنوية، وما سيتمخض عنها من توافقات وتصورات علها تساهم في الحد من الكلفة الباهظة لانعكاسات هذه الملفات التي يتصدرها الوضع في أوكرانيا، وتداعياته "الكارثية" على سلاسل التوريد والأمن الغذائي العالمي، وعلى أسعار الطاقة ومستويات التضخم والنمو العالميين، وزيادة التوتر بمختلف الممرات البحرية التجارية الكبرى سواء في المحيطين الهادئ والهندي أو في شمال أوروبا وبآسيا، لتزيد من مستوى الضغط على الأداء الاقتصادي المتأثر بطبيعته بتداعيات جائحة كورونا منذ العام 2020.

وتتوجه أنظار العالم باهتمام وتركيز كبيرين إلى منابر الحوار والنقاشات في أروقة مقر الأمم المتحدة بنيويورك بشأن سبل إعادة الاستقرار للوضع الدولي، وتجنب الأسوأ إن استمر الوضع على ما هو عليه أو تفاقم، لاسيما في ظل توسع دائرة الصعوبات الاقتصادية والتحديات الأمنية دون أن تستثني أحدا، دولا غنية كانت أو نامية على حد سواء، وباتت ضرورة التوصل إلى حلول لهذه الرهانات مطلبا في غاية الأهمية يلتقي عنده الجميع.

ومن المنتظر أن تبت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة خلال الساعات المقبلة في اقتراح يهدف الى السماح استثنائيا للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالتحدث عبر الفيديو خلال أسبوع انعقاد الجمعية العامة للمنظمة الأممية.

فيما أكدت روسيا مشاركة سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وقالت ماريا زاكاروفا المتحدثة باسم لافروف في موسكو إنه يعتزم عقد نحو عشرين اجتماعا ثنائيا، بالإضافة إلى حضور الجمعية العامة.

 

ولن تشكل الأزمة الروسية الأوكرانية، على الرغم من ارتداداتها العكسية وتداعياتها على مختلف مناحي العلاقات الدولية، الرهان الوحيد الذي يستدعي من زعماء العالم الركون لتوافقات بشأنها والخروج بقرارات تجنب العالم مستقبلا أسوأ، ولو تطلب منهم الإقدام على تنازلات قد تشكل طوق النجاة لوضع يتجه نحو مزيد من التأزيم.

ومع مرور نحو سبعة أشهر دون التوصل لحل للأزمة الروسية الأوكرانية، بات العالم في حاجة ماسة لمخرج يعيد له البعض من الاستقرار الذي فقده منذ بدء جائحة كورونا، وتعمق أكثر مع اطلاق موسكو عملياتها العسكرية ضد كييف، ليجد مسؤولو الدول أنفسهم أما حتمية وقف صوت آلة الحرب التي تسببت بتعطيل سلاسل توريد الحبوب والزيوت والطاقة، وساهمت في ارتفاع أسعار مختلف المنتوجات الغذائية بالأسواق الدولية، وفاقمت الرهانات الاقتصادية.

وعن احتمالات انتهاء الحرب في أوكرانيا، توقع السيد جيم موران، عضو مجلس النواب الأمريكي السابق، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن الحرب ستستمر لفترة طويلة بعض الشيء، معتبرا أن خطة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تقوم على جعل أوكرانيا بلا منفذ على البحر الأسود من خلال السيطرة على كل الموانئ هناك.

ولا يبدو عضو مجلس النواب الأمريكي السابق متفائلا بقرب حل الأزمة في أوكرانيا، قائلا إن "خطة روسيا ستستغرق الكثير من الوقت لتحقيقها، لذا ستكون هناك بعض المفاوضات، ولكني شخصيا لا أرى أن المفاوضات سيكون لها جدوى على الأرجح".

في المقابل، رأى موران أن استمرار نهج فرض العقوبات الغربية على روسيا على خلفية الحرب في أوكرانيا لا يجدي نفعا، كون هذه الآلية تضر بالعديد من الدول، لا سيما الدول التي بحاجة للطاقة الروسية وللقمح الروسي والأوكراني.

 

من جانبه، أكد جو ماكرون الباحث في المركز العربي بواشنطن، في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن الحرب في أوكرانيا طغت على الأحداث في المنطقة، وأثرت على الكثير من الحسابات، من خلال تداعياتها على الاقتصاد العالمي وعلى أسعار الطاقة، والأمن الغذائي، وبالتالي فإنها ستستأثر بنقاشات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام، وستحضر في الاجتماعات الجانبية بقوة.

وما إذا كانت العقوبات الغربية على موسكو ستكون ذات جدوى، قال ماكرون إن الولايات المتحدة لا ترغب في دخول حرب أو مواجهة مع روسيا، لذلك تفرض عليها العقوبات على أمل تغيير حساباتها، وخلق مناخ دولي يؤدي لهذا الأمر.. معتبرا أن العقوبات ليست دائما سلاحا فعالا، وفي الغالب الذي يدفع ثمنها هي الشعوب.

وأضاف: "روسيا بدأت تتأقلم مع الوضع وتبحث عن موارد جديدة وتفكر بطريقة مختلفة، بعيدا عن النظرة التقليدية، وأخذت تبحث عن شركاء جدد؛ في الصين والهند لتغيير علاقتها مع الغرب، وبالتالي فإن هذا سيغير طبيعة الاقتصاد العالمي، كما أن الأوروبيين يستكشفون الآن طرقا لتقليل الاعتماد في الطاقة على روسيا".

كما أشار إلى أن الحرب في أوكرانيا غيرت دينامية الاقتصاد العالمي، خاصة في مجال الطاقة، وهو وضع سيستمر لسنوات، معربا عن اعتقاده بأن الحرب قد تطول، مع أن روسيا ربما تخفف حدة عملياتها إذا حققت مكاسب من خلال السيطرة على السواحل الأوكرانية.. معتبرا أن موسكو كانت تعتقد أن الحرب ستكون سهلة إلى حد ما ويمكن حسمها بسرعة، لكن طبيعة الأرض والدعم الغربي لأوكرانيا جعلا الأمر صعبا.

ورأى ماكرون أن حدة العمليات ستتوقف في مرحلة ما، لكن التحدي الأكبر هو استراتيجية الخروج من أوكرانيا، قائلا إن "روسيا لن تنسحب من كامل الأراضي الأوكرانية، مما سيؤدي إلى الدخول في حرب سياسية باردة، ولا يمكن حتى الآن تصور الوضع الذي ستكون عليه أوكرانيا بعد الحرب، وهل ستحافظ على وحدة أراضيها أم لا".

 

وردا على سؤال عما إذا كانت الحرب في أوكرانيا يمكن أن تؤدي، بطريقة أو أخرى، إلى مواجهة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، شدد ماكرون على أن روسيا وأمريكا ليستا في مواجهة مباشرة في أوكرانيا، وليس من مصلحتهما دخول مواجهة، فأمريكا لا ترغب في ذلك، وروسيا ليس من صالحها فتح جبهة جديدة.. مشيرا في ذات الوقت إلى أن العلاقات الروسية الأمريكية معقدة ومتوترة، لكن الأمور لم تصل بينهما إلى درجة المواجهة المباشرة.

وعما إذا كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ 77 تمثل فرصة مواتية للمجتمع الدولي للتعامل مع القضايا الراهنة، سواء الحرب الروسية الأوكرانية، والبرنامج النووي الإيراني، قال جو ماكرون إن الجمعية العامة تشبه برلمانا عاما تتم فيه المناقشات، لكنها لا تمتلك الصلاحية لاتخاذ قرارات ملزمة في هذه المواضيع، فالقرارات الأساسية تؤخذ في مجلس الأمن الدولي، والمجلس معطل بسبب حق النقض "الفيتو" الأمريكي والروسي منذ عقود، وبالتالي الجمعية العامة ليست لها سلطة، إلا التصويت على بعض القضايا الرمزية، وحتى لو اتخذت قرارات بالإجماع، فإنها لا تمتلك سلطة تنفيذية؛ وبالتالي فإنها تبقى فرصة للقاء والنقاش وتبادل الآراء، لكنها لا يمكن أن تصل لقرارات كبيرة وحاسمة، حسب قانون الأمم المتحدة.

 

ويرى مراقبون أن حل الأزمة الروسية الأوكرانية يمر عبر سيناريوهات معقدة، منها ما يتصل بكيفية قراءة إدارة الكرملين للوضع الأمني على حدود البلاد مع دول أوروبا الشمالية، لا سيما في ظل توسع حلف شمال الأطلسي "الناتو" نحو دول حدودية لروسيا، ومنها ما يتصل بالوضع الجيواستراتيجي في هذه البقعة من الأرض والتي تريدها روسيا فضاء استراتيجيا خاصا بها، بعيدا عن مطامع الغرب وواشنطن.

ويربط المراقبون ذاتهم الواقع الحالي في أوكرانيا بما جرى في شبه جزيرة القرم قبل ثماني سنوات، عندما أعادت موسكو المنطقة التي كانت تحت حكم سلطات كييف إلى سيطرتها، ما يجعل من العملية العسكرية الحالية فصلا جديدا من فصول الرغبة الروسية في استعادة أراضي كانت تشكل في السابق مفاصل الكيان الفيدرالي الروسي قبل تفككه في نهاية عام 1991.

ويذهب المراقبون إلى أن تأخر تحقيق العملية العسكرية الروسية ضد جارتها للأهداف التي حددتها موسكو مسبقا، سيعطل الوصول لتوافقات تنهي أطول حرب تشهدها أوروبا منذ عقود، وسيطيل مدة المواجهات، ما يفتح الباب واسعا أمام سيناريوهات عدة لمسار الأزمة، أولها دخول الطرفين في حرب استنزاف طويلة ستكبدهما خسائر إضافية كبرى، رغم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكد في وقت سابق أنه سيكسب المواجهات من خلال إظهار "الصبر الاستراتيجي" ومراهنته على أن الدول الغربية ستشعر بـ "إرهاق أوكرانيا، وستركز أكثر على أزماتها الاقتصادية والتهديد الصيني"، فيما يستمر الغرب في تزويد أوكرانيا بالأسلحة، لتنشأ خطوط مواجهات شبه ثابتة من شأنها أن تحولها إلى "صراع دائم بوتيرة منخفضة، لكنه قد يمتد إلى أمد غير معلوم".

ولا يستبعد المحللون أن يفاجئ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الرأي العام الدولي بوقف لإطلاق النار من طرف واحد، ويكتفي بما حققه من مكاسب على الأرض، وهي الخطوة التي ستعارضها القوى الغربية خصوصا الولايات المتحدة وبريطانيا، إلى جانب دول أوروبا الشرقية، لإصرارهم على خروج القوات الروسية من أوكرانيا.

ومن بين السيناريوهات المطروحة أيضا ركون موسكو وكييف لمحادثات سلام، وتوجهها نحو تسوية سياسية لمواجهتهما، إلا أن عدم ثقة أوكرانيا بروسيا قد لا يدعم أي اتفاق سلام، وسيشكل فصلا جديدا من مواجهات قد تكون نتائجها أكثر وقعا على البلدين.

 

وفي خضم الواقع الدولي الراهن، يؤكد محللون على أن ضمان سلامة مرور الشحنات التجارية والنفطية والغذائية بمختلف الممرات المائية أصبح من الملفات الكبرى التي تتطلب توافقا عالميا وتفاهمات تضمن عدم الإخلال أو المساس بهذا الجانب لتأثيره المباشر والسريع على الغذاء العالمي، وعلى نسب نمو اقتصادات البلدان، وعلى مصالح الشعوب.

ويقود الوضع الأمني المتقلب في العالم المشاركين في نقاشات الجمعية العامة 77 للأمم المتحدة للبحث عن سبيل لخفض التوترات الثنائية أو الجماعية، وركون الخصوم إلى طاولة المفاوضات لحل قضايا لطالما أثارت الرأي العالم الدولي، لاسيما في ما يتصل بالملف النووي الإيراني والعودة إلى اتفاق 2015 بين طهران ومجموعة ( 5 + 1)، والخلاف الصيني الأمريكي، والوضع في شبه الجزيرة الكورية بين سول وبيونغ يانغ، فضلا عن حشد مزيد من الدعم بمنطقة الساحل الإفريقي.

 

وكعادتها، ستشكل القضية الفلسطينية أحد أهم بنود نقاشات زعماء العالم داخل أروقة الأمم المتحدة، خاصة في ظل ارتفاع نسق التصعيد الإسرائيلي بحق الفلسطينيين وتوسع مشاريعه الاستيطانية بمناطق الضفة الغربية المحتلة، وهو ما تجلى خلال العدوان الأخير الذي شنه الكيان الإسرائيلي على قطاع غزة مخلفا وراءه عشرات الشهداء ومئات الجرحى وخسائر مادية تقدر كلفتها بمليارات الدولارات.

وستبحث الأطراف المتداخلة في القضية الفلسطينية، خلال مشاركتهم في أعمال الدورة السابعة والسبعين للجمعية العمومية للأمم المتحدة، في الإمكانيات المتاحة لتجسيد مبدأ حل الدولتين، خاصة بعد تأكيد الرئيس الأمريكي جو بايدن، خلال زيارته الأخيرة للأراضي المحتلة ولقائه بالرئيس محمود عباس، تمسك إدارته بإيجاد حل للقضية الفلسطينية.

ولن يقل ملف المناخ والاحتباس الحراري أهمية عن بقية الملفات الكبرى المطروحة على طاولة النقاش، والتي سيثيرها زعماء العالم، خاصة في ظل توسع موجات الحرائق والفيضانات والجفاف بمختلف المناطق، ما دفع بعواصم العالم للدعوة إلى العمل على تجسيم توصيات مؤتمر باريس للمناخ بخفض مستوى الانبعاثات الغازية، والعمل على خفض درجة حرارة الغلاف الجوي بدرجة ونصف الدرجة المئوية.

بدوره، سيشكل تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، خلال العام الجاري والعام المقبل، وارتفاع مستوى التداين وتوسع دائرة الفقر، فصلا رئيسيا من فصول النقاشات التي ستشهدها أروقة المنظمة الدولية، ما يدفع نحو استنباط حلول لهذه المعوقات التي تحد من استعادة الحركية الاقتصادية والتجارية والتنموية ألقها الذي فقدته منذ بداية جائحة كورونا في الربع الأول من عام 2020.

 


الكلمات المفتاحية

عام, قطر
X
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. تعرف على المزيد حول كيفية استخدامها ، أو قم بتحرير خيارات ملفات تعريف الارتباط الخاصة بك
موافق