بعد عام على الحرب الروسية - الأوكرانية.. تدمير للممتلكات الثقافية وإشعال الإبداع لمواجهة طمس الهوية
الدوحة في 24 فبراير /قنا/ لا تكمن كارثية الحروب والمواجهات العسكرية في كونها سببا للقتل والتشريد والدمار فحسب، بل إن الآلة العسكرية الصماء لا تفرق بين الحجر والبشر، ناهيك عن التراث والتاريخ والهوية التي تضيع بين ركام الحرب، وتضيع معها مئات السنين بل ربما قرون من التاريخ يصعب تعويضها.
وبعد مرور عام على اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022، وما خلفته من أضرار فادحة لحقت بالممتلكات الثقافية، فقد هب المثقفون في العالم مدافعين بكل ما أوتوا من قوة عن مختلف أشكال الفنون والإبداع التي لحق بها الدمار والخراب.
وطبقا لأحدث تقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، فقد لحقت الأضرار الناتجة عن الحرب الروسية - الأوكرانية بـ 238 موقعا ثقافيا، كما تضررت 3051 مؤسسة تعليمية، ومن أبرز الأماكن والمواقع الثقافية التي تم تدميرها متحف "إيفانكيف" التاريخي الثقافي، وكاتدرائية القديسة صوفيا، وإلى جانب المواقع في كييف وشبه جزيرة القرم، تشمل قائمة اليونسكو مدينة لفيف القديمة وثلاثة مواقع أخرى، وهناك سبعة عشر موقعا إضافيا مرشحة للإدراج على قائمة التراث المهدد مثل المركز التاريخي لأوديسا.
وقد دعت أودري أزولاي، المديرة العامة لليونسكو، المجتمع الدولي في تصريح لها في بداية النزاع، إلى ضرورة صون التراث الثقافي، باعتباره شاهدا على الماضي، وحافزا لإرساء أسس السلام والترابط في المستقبل.
في السياق ذاته، حذرت ألكسندرا إلكسانتاكي، المقررة الخاصة المعنية بالحقوق الثقافية في مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، في تصريح سابق، من أن انتهاكات الحقوق الثقافية في أوكرانيا ستكون لها آثار مدمرة في حقبة ما بعد الحرب، معربة عن قلقها إزاء الأضرار التي لحقت بالكثير من المواقع الثقافية والمعالم الأثرية والمتاحف، داعية إلى ضرورة تطبيق قواعد القانون الإنساني الدولي، والقانون الدولي لحقوق الإنسان بدقة من قبل جميع أطراف النزاع.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور فيصل مسفر الحبابي، أستاذ القانون العام المساعد في جامعة قطر، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية (قنا)، أن القانون الدولي لم يغفل الآثار الواسعة للحروب، والتي تمتد للممتلكات الثقافية كالمتاحف والمواقع الأثرية والمعالم التاريخية، التي تشكل جزءا من الهوية الاجتماعية والموروث الثقافي للشعوب والدول، مشيرا إلى أن اتفاقيات جنيف لعام 1949 تمثل مصدرا رئيسيا للقواعد المنظمة للنزاعات المسلحة التي تقع بين دولتين فأكثر، وهو ما يعرف بالقانون الدولي الإنساني.
وأضاف أنه بالرغم من أن اتفاقيات جنيف لم تشر صراحة لحماية الموروث الثقافي، فإن البروتوكولين الأول والثاني لعام 1977 جاءا لينصا صراحة على حرمة الاعتداء على الممتلكات الثقافية أو استخدامها للمساومة أو للانتقام في الحروب، مؤكدا أنه ولأهمية حماية المكتسبات الثقافية بالتحديد، أقرت الدول اتفاقية خاصة بشأن حماية الممتلكات الثقافية في أوقات النزاعات المسلحة؛ هي اتفاقية لاهاي لعام 1954، حيث تفرض التزامات قانونية على الدول الأطراف، ويمكن اعتبارها ملزمة للدول غير الأطراف كذلك؛ كونها قواعد عرفية، تتمثل في وقاية الممتلكات الثقافية بشكل مسبق من الأضرار المحتملة عن نزاع مسلح سواء في أراضيها أو أراضي الدول الأخرى، بما في ذلك اتخاذ الإجراءات الوقائية لاحترام وحماية الممتلكات الثقافية، وعدم الاستيلاء على ممتلكات ثقافية منقولة أو غير منقولة.
وأشار الدكتور فيصل الحبابي إلى أنه حال الإخلال بالالتزامات المنبثقة من القانون الدولي الإنساني، فإن المسؤولية القانونية تقع على الدولة المخالفة بموجب القانون الدولي، وأنه يحق للدولة المتضررة تحريك الدعاوى القضائية الدولية، مع استيفاء شروط ذلك، ويكون لمجلس الأمن الدولي صلاحياته في فرض العقوبات والجزاءات للحفاظ على السلم والأمن الدوليين، بل قد تثار المسؤولية الجنائية على ممثلي الدولة المخالفة، حيث تنص لائحة روما لعام 1998 على اعتبار أعمال التدمير المتعمد والمباشر للممتلكات الثقافية والآثار التاريخية جريمة حرب تستوجب الجزاء على الصعيد الدولي، مما قد يدخل ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
وقد بذلت جهود دولية لحماية التراث الثقافي في أوكرانيا، فقد استجابت العديد من المنظمات والدول والمؤسسات الثقافية لنداء المساعدة، ووفرت شبكة منظمات المتاحف الأوروبية /نيمو/ معلومات حول الدعم المتاح من جميع أنحاء أوروبا للمتاحف الأوكرانية والمتخصصين فيها، ومن أبرز هذه الجهود إنشاء لجنة مساعدة المتاحف في أوكرانيا من قبل 26 متحفا بولنديا؛ للمساعدة في تأمين مجموعاتهم وتقديم الدعم، وأنشأ متحف الشمال في ستوكهولم صندوقا لتوفير التمويل للمتحف الوطني للتاريخ الأوكراني في كييف، إلى جانب جهود رقمنة المجموعات كوسيلة للحفاظ على الأعمال الثقافية، كما تعمل مجموعة إنقاذ التراث الأوكراني على الإنترنت.
وكان للحرب تأثيرها على الفنانين التشكيليين، فبرز دورهم المعبر عن رفض الحرب، فهذا فنان الشارع غامليت زنكفسكي ويطلق عليه بانسكي أوكرانيا، قد رسم مئات اللوحات على جدران مدينته خاركييف التي دمرت الحرب أجزاء منها، وفي متحف الفنون الجميلة في بوسطن بالولايات المتحدة أقيم معرض للفنانين فاديم بيليكوف ويانا كونونوفا، إنجا ليفي، والمراسل الحربي إفريم لوكاتسكي يضم صورا توثق الدمار الذي خلفته الحرب منذ فبراير 2022، كما افتتح معرض فنون الحرب الأوكرانية في مدينة نيويورك في 25 أكتوبر 2022، تضمن أكثر من 150 ملصقا مستوحى من الحرب، صممها فنانون أوكرانيون لإظهار التأثير الحقيقي للحرب.
وعلى الجانب الآخر، تأثرت الثقافة الروسية أيضا بالحرب الدائرة منذ عام، فمثلا تجد أن موسيقى تشايكوفسكي مثل باليه بحيرة البجعة الشهير يمنع من العرض فقط؛ كونه روسيا، كما تم منع مشاركة الفنانين الروس في المهرجانات والمسابقات الفنية العالمية، مثل مهرجان كان السينمائي وميونيخ فيلهارمونيك، حيث كان من بين أولئك الذين حظروا أو استبعدوا الممثلون والوفود الروسية.
كما ألغت المسارح ومهرجانات الأفلام وغيرها من الأحداث العروض الروسية، خاصة في أوروبا، الأمر لم يتوقف على المشاركات الروسية في الخارج بل على الفنانين أنفسهم، فمثلا قررت أوركسترا ميونيخ الفيلهارمونية إقالة قائد الفرقة الموسيقية الروسي فاليري جيرجيف.
ونتيجة للعزلة المتزايدة للمثقفين الروس، رأى كثيرون في الأوساط الثقافية والفنية الروسية أن على موسكو الاستفادة من عزلتها المتزايدة بسبب حربها على أوكرانيا، لتنقية الثقافة الروسية من التأثير الغربي وتعزيز القيم الوطنية.
وقد نشرت صحيفة "فزغلاد" الروسية في يناير الماضي مقالا تحت عنوان "العملية العسكرية الخاصة تغير الثقافة الروسية"، رصدت فيه تأثير هذه العملية على الثقافة الروسية، التي عوضت عن منع مشاركتها في النشاطات والفعاليات الثقافية في الخارج، بتكثيف الأحداث الثقافية الداخلية، معتبرة أن العملية العسكرية الخاصة أدت بشكل غير متوقع إلى ما يشبه ثورة ثقافية في روسيا، ففي مواجهة "ثقافة الإلغاء"، أنتج مبدعون روسيون أعمالا جديدة تدرك مصير روسيا الحديثة، بحسب الصحيفة.
English
Français
Deutsch
Español