رمضان في السودان.. قيم روحية وسلام اجتماعي ولوحة تتزين بالعادات والتقاليد في مختلف الولايات
الخرطوم في 02 أبريل /قنا/ يتميز شهر رمضان في السودان بأجواء خاصة تحدث تغييرا شاملا في الحياة من كافة جوانبها الدينية والروحية والاجتماعية والثقافية والرياضية وغيرها.. ويحرص أهل السودان عبر الأجيال على العادات والتقاليد، وإعلاء قيم التراث المبنية على الإخاء والتعايش، وإفشاء روح السلام والطمأنينة في الشهر الكريم.
ويعتبر شهر رمضان المبارك فرصة طيبة لأهل السودان للاحتفاء به، وإبراز قيم الكرم والشهامة والمروءة والتكافل الاجتماعي والترابط لتعزيز العمل الجماعي المشترك، وتقوم الدولة بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني بدعم الجهود الاجتماعية لتكتمل اللوحة الرمضانية هناك، من خلال التحية المحببة لأهل السودان "رمضان كريم"، ويكون ردها "الله أكرم"، وهي خير عنوان ومدخل للتلاقي، وكتاب مفتوح لدلائل الخيرات بين الناس.
ويوضح الداعية أبو الوفا أبو العباس، في حديثه لوكالة الأنباء القطرية (قنا)، أن إعلاء القيم الدينية تتقدم الأولويات، من خلال تزيين المساجد، وإقامة حلقات الذكر والتلاوة الجماعية والدروس الدينية، كما يكون فرصة لصلاة الجماعة، خاصة التراويح والتفكر والتدارس لتعزيز التمسك بالقيم الإسلامية، لترتسم على محيا السودان صورة رائعة من خلال العشر الأواخر من الشهر، حيث تمتلئ الطرقات بالمارة نحو المساجد لأداء صلاة التهجد.
وأشار إلى أن القيم الدينية التي تسود في المجتمع السوداني تجعل رمضان مناسبة عظيمة في كافة الجوانب الإنسانية، فيتعافى المجتمع بالتسامح ويقوى بتمسكه بدينه وتبصره لمعالم طريق الصلاح.
وعن تفاصيل المائدة الرمضانية في السودان، تقول الإعلامية أميرة عبد الجليل، في تصريح لـ"قنا"، إنها تحتوي على عصير الحلومر، والآبري الأبيض، والتبلدي، والكركديه، والعرديب (التمر هندي) والليمون، وبعض عصائر الفاكهة، خاصة البرتقال، بجانب العصائر الجاهزة بنكهات مختلفة، أما المأكولات فإن ملاح التقلية يعتبر أساسيا على المائدة السودانية، وهو مكون من اللحمة الجافة أو المفرومة والزيت، يضاف إليها البصل المحمر والطماطم والصلصة والبهارات والبامية الجافة (الويكه)، فكل امرأة تظهر فنها في الإعداد.
ولفتت إلى أن الخبز الذي يكون سائدا طوال أيام السنة يغيب إلى حد كبير في رمضان، لتحل مكانه "العصيدة" من الذرة أو الدخن أو القراصة من القمح، بجانب الكسرة من الذرة، وهي جميعا تعمل بديلا للخبز، الذي يكون التعامل معه في نطاق محدود، وكل منطقة لها تفضيلها في الاختيار، لكن المشروبات السابقة وملاح التقلية الذي يؤكل بالعصيدة تظل القاسم المشترك لجميع أهل السودان خلال الشهر الكريم.
وأضافت أن المائدة الرمضانية تحتوي أيضا على الحمص المسلوق واللوبيا والعدسية والتمر الجاف والزبيب والفواكه المجففة، وأنواع مختلفة من البليلة من الحبوب الغذائية المطهية.
ويوضح الدكتور أمير النور "باحث في تراث" بمنطقة النيل الأزرق، أن لشهر رمضان عادات خاصة به لإثراء جانب المودة والرحمة بين الناس، وفي مقدمة ذلك عادة تسمى الموركي، وتشمل التعاون في السراء والضراء بين المجموعات المجتمعية، حيث يقوم كل مجتمع بتقديم ما لديه من ثروات حيوانية أو زراعية أو طعام للناس، بجانب وجود تجمعات حاشدة للسكان خارج المساكن للإفطار، وتقديم أبرز الأكلات الشعبية مثل أكلة الدبة المكونة من القرع المسلوق، وتعتبر عنوانا لإكرام الضيف والمجتمع، وتعتبر نباتات الملوخية والتمليكه والكاسافا (البفرة) والبابون والتبش وعيش الريف والفول السوداني والصويا أكلات أساسية في غذاء الناس طيلة أيام الشهر.
وفي إقليم دارفور بولاياته الخمس الواقع غربي السودان، تقول الباحثة في التراث فاطمة حسين لوكالة الأنباء القطرية (قنا): إنه إلى جانب القواسم المشتركة بين أهل السودان، فإن إقليم دارفور يتميز بتنوع مائدته الرمضانية، وفي مقدمتها الطعام المصنوع من اللبن الرائب والملوخية والبامية والسمك الجاف الذي يعرف بـ "الكجيك"، إلى جانب طعام مصنوع من أوراق الكركديه الخضراء، كما يتصدر الدخن المائدة، حيث يعتبر أساسيا بدل الخبز، وتطغى عصيدة الدخن على المائدة، وتسمى الدامرقا، كما يتميز الإقليم بتقديم عصيري الدوم والقضيم.
ويتميز شرق السودان الذي يضم ولايات كسلا والقضارف والبحر الأحمر بإضافات في النكهة الرمضانية، بخلاف القواسم المشتركة مع أغلب البلاد، وهذا ما أوضحه الدكتور عبد الله شمو الأستاذ المساعد بكلية الموسيقى والدراما بجامعة السودان، والمهتم بالتراث في حديثه لـ "قنا"، حيث قال: إن المنطقة تلتقي مع دول اليمن والصومال وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا ومصر، حيث نجد البحارة والسماكة والعادات والتقاليد المشتركة التي تضفي طابعا خاصا على أهل الشرق، فنجد عجوة التمر بالسمن واللبن الحليب والرايب وعصيدة القمح بأنواع متنوعة، بجانب لحوم الضأن والغنم ومستخلصات التمور والمديدة، وتوفر الفواكه التي تذخر بها المنطقة، والطبيعة الزراعية الغالبة عليها، كما تبرز المخبازة من بين الأكلات الشعبية المشهورة.
وعن تأثير شهر رمضان على مناطق النزاعات والحروب في السودان ومعسكرات اللجوء والنازحين، يقول المحلل السياسي سيف الدين علي: إن حالة من السكينة تسود بين الناس لتعزيز السلم الاجتماعي مع الإكثار من الدعاء والتضرع إلى الله بإنهاء الحروب واستعادة الطمأنينة، لافتا إلى أن موضوع التسامح والتعايش السلمي يكون أساسيا على الأجندة الرمضانية، ويحث قادة المجتمع الناس على اغتنام شهر رمضان للمصالحة وإنهاء الخلافات.
وفي ولاية جنوب كردفان، قال مصطفى أحمد بادي مدير الإدارة العامة للسياحة والآثار بولاية جنوب كردفان، وهو من أبناء المنطقة: "يأتي شهر رمضان مضمدا للجروح وماسحا للمآسي وويلات الحروب والنزاعات والفرقة والشتات، حيث يعيد للنسيج الاجتماعي تماسكه، ويشفي جروحا ظن الناس أنها لا تندمل، فتتعالى أصوات السلام في كل مكان".
وأشار إلى أشهر الأكلات الشعبية الرمضانية في المنطقة، التي تعتمد على اللوبيا البيضاء، والتي تتشكل من أطعمة متعددة، من بينها مزجها بـ"الويكه" واللبن الرايب، وتعدها النساء مبكرا بجانب "الكلم والكرمتا" وهي نوع من الذرة الحمراء تطهى في شكل عصيدة تحل محل الخبز، منوها بأن ولاية جنوب كردفان تتميز بوجود عادة "الضرا" بكثرة، وهي عبارة عن خيام تعد في مداخل الأحياء والساحات، وتعتبر مضيفة مفتوحة ومكانا مخصصا للإفطار الجماعي.
وفي ولايات شمال السودان، التي تسمى بأرض النيل والنخيل، تكون ساحات المساجد الصغيرة في القرى هي سيدة الموقف وتسمى بـ "المسيد"، حيث يتم فيها اجتماع الناس وتلاقيهم وتفاكرهم، وتنشط خلاوي القرآن بصورة ملحوظة، وتتميز المنطقة بتواصل قوي مع أبنائها المغتربين، خاصة في دول الخليج، حيث تنشط جمعياتهم في تقديم العون اللازم ومقابلة ظروف التعقيدات الاقتصادية، وجعل رمضان مناسبة لصلة الأرحام، وفتح مساحات رحبة للتواصل مع الآخرين.
ومن العادات السودانية القديمة المتوارثة الآخذة في الانحسار "المسحراتي"، الذي يجوب الأحياء ضاربا بالطبل لتذكير الناس بأهمية السحور ووقته، وكانت تتم في شكل جماعات، لكنها الآن أصبحت تمارس في نطاق ضيق في المدن لأجل المحافظة عليها، فيما لا تزال موجودة في الأرياف، وبذلك تكتمل اللوحة الرمضانية السودانية بأنشطة حيوية متنوعة تتكامل وتتناسق لتصب لصالح قيم رمضان الدينية.
English
Français
Deutsch
Español