محللون وخبراء لـقنا: فرنسا أمام تعديلات حتمية في سياستها تجاه إفريقيا بعد مأزق النيجر
باريس في 14 أغسطس /قنا/ أكد محللون وخبراء في العلاقات الدولية، على تأثيرات الانقلاب الأخير الذي وقع في النيجر على فرنسا، وأشاروا الى أن السياسة الخارجية الفرنسية تشهد ما يمكن وصفه بأنه "زلزال مدوي" في منطقة الساحل، خاصة بعد خسارة باريس حليفا مركزيا وبلدا استراتيجيا مثل النيجر، حيث سينحسر نفوذها كثيرا سيما بعد مغادرتها مالي وبوركينا فاسو.
وأوضح خبراء في لقاءات خاصة مع وكالة الأنباء القطرية قنا، أن الأحداث الدولية المتسارعة في إفريقيا، وكذلك التغير الكبير في النخب الحاكمة في العديد من الدول الإفريقية يتطلب من باريس ضرورة التفكير في مراجعة سياستها الإفريقية والتخطيط لاستراتيجية جديدة بصفة خاصة في منطقة الساحل.
وسلطت لقاءات قنا مع الخبراء، الضوء على مستقبل القوات الفرنسية المتمركزة في النيجر والمقدر عددها بـ 1500 جندي، إضافة إلى مصير الاستراتيجية الجديدة الذي أعلن عنها الرئيس ماكرون في يوليو 2022، والتي تعد النيجر نقطة ارتكازها المحورية، والتوقعات بشأن نشوب الحرب ولجوء المجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا إيكواس إلى الحل العسكري لاستعادة النظام الدستوري في النيجر.
وفي هذا الصدد قال جيرالد أوليفييه الكاتب الفرنسي- الأمريكي والمحلل السياسي والخبير الاستراتيجي في الشؤون الدولية: "أعتقد أن تداعيات الانقلاب الذي وقع في النيجر على فرنسا، والدروس الاستراتيجية التي وجب استخلاصها ستكون كبيرة، حيث ستخسر باريس بلدا استراتيجيا وموقعا وحليفا مركزيا في منطقة الساحل، وسيتقلص وينحسر نفوذها كثيرا خاصة بعد مغادرتها مالي وبوركينا فاسو".
وأشار الى أن هذه التحولات السريعة، تفرض مسبقا على فرنسا التفكير في مراجعة سياستها الإفريقية والتخطيط لاستراتيجية جديدة مهما كانت النتائج النهائية لهذا الانقلاب، إذا أرادت أن تحافظ على مصالحها ونفوذها في منطقة الساحل وفي إفريقيا بصفة عامة.
كما نوه أوليفييه بأنه نتيجة التحولات الاستراتيجية الدولية في منطقة الساحل، وجدت فرنسا نفسها ضحية تصاعد موجة الشعبوية في البلدان الإفريقية التي غذتها وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تجعل من باريس سبب كل الإخفاقات الأمنية والسياسية والاقتصادية في تلك البلدان.
وأوضح أن الاخفاقات في منطقة الساحل سببها "الأنظمة الإفريقية القائمة هناك وليس فرنسا"، لأن باريس لم تتدخل في منطقة الساحل لإصلاح المشاكل الاقتصادية ولا نسب النمو المتدنية، وهي غير مسؤولة عن الفساد في تلك البلدان ولا عن الانقلابات المتلاحقة.
وشدد أن فرنسا موجودة في منطقة الساحل منذ عقود، ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم الظروف الجيوسياسية تطورت وتغيرت كثيرا، مبينا أن فرنسا بمفردها ليس لديها الإمكانيات العسكرية ولا المالية للقضاء نهائيا على التنظيمات المسلحة لأن هذه التنظيمات متداخلة ومعقدة وللقضاء عليها لابد من تضافر كل الجهود الدولية.
وبخصوص مصير ومستقبل الاستراتيجية الجديدة التي أعلن عنها الرئيس الفرنسي ماكرون في يوليو 2022، في إطار إعادة انتشار القوات الفرنسية في منطقة غرب إفريقيا، والتي تضع النيجر كنقطة ارتكاز للقوات الفرنسية لمواجهة التنظيمات المسلحة ، أكد أوليفييه في معرض حديثه لـقنا أن هذه الاستراتيجية ستفشل لا محالة، لافتا إلى أن الفشل الحقيقي تتحمله فرنسا التي فشلت في استباق هذه التحولات والأحداث والتنبه لهذه المخاطر والتغيرات التي وقعت في النيجر وبقية البلدان.
وشدد في الوقت نفسه أن الخطأ الاستراتيجي الثاني هو تركيز عدد كبير من القوات الفرنسية (1500 جندي) في بلد واحد.
وأشار إلى أنه كان على فرنسا أن تعيد تقييم استراتيجية بناء علاقتها مع دول الساحل، بعد مالي وبوركينا فاسو.
وخلص جيرالد أوليفييه في ختام حديثه لوكالة الأنباء القطرية قنا، إلى أن الخارطة الجيوسياسية ولعبة النفوذ الدولي في منطقة الساحل وإفريقيا هي في تغير وتحول دائم، موضحا أنه من جهة هناك فرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كحلفاء تقليديين، ومن جهة أخرى هناك روسيا والصين.
من جهته أشار حسني عبيدي مدير معهد الدراسات والبحوث الاستراتيجية في العالم العربي وشمال إفريقيا بجنيف، إلى أن الأحداث الجارية في النيجر بالإضافة إلى انتهاء عملية برخان وكذلك انسحاب القوات الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو، تشكل "قطيعة" في السياسة الفرنسية في منطقة الساحل وفي إفريقيا، لافتا الى أن هناك تحولا كبيرا في السياسة الفرنسية كما عهدناها منذ عقود، وأن هذا التغير والتآكل في سياسة النفوذ الفرنسي في إفريقيا ليس وليد اللحظة وإنما هو نتيجة تراكمات منذ عقود.
وأوضح أن الأحداث الدولية المتسارعة وبروز قوى جديدة في المنطقة تنافس القوى الفرنسية والقوى الغربية التقليدية، وكذلك التغير الكبير في النخب الحاكمة في العديد من الدول الإفريقية وخاصة في منطقة الساحل، تشكل الأسباب الحقيقية لهذا التحول الكبير في السياسة الفرنسية في إفريقيا.
وتابع قائلا : "يجب كذلك ألا ننسى أن محاربة التنظيمات المسلحة الذي كان أساسا للوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل، فشل ولم تستطع باريس تأمين الدول الإفريقية، بل إنها لم تستطع حتى حماية الأنظمة السياسية الحليفة لها في إفريقيا".
ونوه بأن السياسة الفرنسية في إفريقيا تعاني منذ سنوات، وقد بدأت العيوب والأخطاء الاستراتيجية في الظهور علنا في عهد الرئيس ماكرون.
ولفت أن الحكومات الفرنسية المتعاقبة لم تستطع تجديد وتحيين سياستها بشكل يتلاءم مع الوضع الإفريقي الجديد، ويراعي القوى الدولية الحاضرة في المشهد الإفريقي والتي لها نفس الأطماع وتحركها مصالح استراتيجية هي الأخرى.
وبين عبيدي أن النيجر تمثل "انتكاسة" على مستويين بالنسبة لفرنسا: أولا لأن النيجر كانت تشكل العمود الفقري للسياسة الجديدة التي يريد الرئيس ماكرون انتهاجها في منطقة الساحل خاصة بعد الخروج من مالي وبوركينا فاسو.
وثانيا فإن الخطة البديلة لفرنسا، أصلا تعاني من خلل كبير. ومؤشرات هذا الخلل عدم قدرة فرنسا على استباق الأحداث في النيجر، وقراءة قدرة المؤسسة العسكرية التي كانت ترتبط بعلاقات جيدة مع فرنسا وحتى مع الولايات المتحدة، على الانقلاب على رئيس البلاد.
واستنتج أن إخفاق السياسة الخارجية الفرنسية في إفريقيا، هو اخفاق جماعي يعود لعقود وتراكمات، ولابد من ثورة حقيقية في النسق الثقافي الفرنسي المتجه لإفريقيا وإعادة صياغة المقاربة الفرنسية كاملة من أجل أن تكون مطابقة للواقع الإفريقي الجديد.
أما ايمانويل دوبوي الخبير الدولي ورئيس المعهد الأوروبي للاستشراف والأمن والمستشار السياسي السابق للقوات الفرنسية في أفغانستان، فأشار في حديثه لوكالة الأنباء القطرية قنا إلى أن منطقة الساحل تضم 12 دولة، وفرنسا فقدت حليفا مهما ومركزيا بالنظر الى الاستقرار السياسي في النيجر وبالنظر لعدة ظروف موضوعية واستراتيجية، وهناك حلفاء آخرون مهمون في منطقة الساحل.
لكنه نوه في نفس الوقت، بأن هذا الانقلاب العسكري سيكون له تأثير على الجانب السياسي الاستراتيجي بالنسبة للحضور والنفوذ الفرنسي في منطقة الساحل خاصة بعد خروج فرنسا من مالي وبوركينا فاسو.
ونبه إلى أن إعادة تموقع القوات العسكرية الفرنسية يجب أن يتم بطريقة سرية وبعيدة عن الأعين، وكذلك لابد من تقليص عدد وحجم القواعد العسكرية وتقسيم الجنود على مجموعات صغيرة والتركيز على القوات الخاصة التي تستطيع التحرك بسرعة وبطريقة خفية وفق الطريقة التي تنتهجها فرنسا في بنين.
ولفت إلى أنه يوجد في النيجر 1500 جندي فرنسي و1200 جندي من الولايات المتحدة، دون نسيان 350 جندي إيطالي يقومون بتأمين مطار نيامي، وكذلك 200 جندي ألماني في إطار القوة الأوروبية، وأوضح أن مستقبل القوات الفرنسية مرتبط أيضا بمستقبل هذه القوات مجتمعة، ولذلك إذا تم إجلاء القوات الفرنسية من النيجر فإنه سيكون هناك إجلاء لبقية القوات الغربية وفق عملية منظمة.
كما رجح أنه من السيناريوهات المطروحة أيضا، موافقة السلطات في النيجر، على بقاء الجنود الفرنسيين في بلاده وتحجيم مهمتها وتحديدها وفق شروط معينة.
ولم يستبعد أن يتمثل السيناريو الثالث في كون فرنسا بدأت التفكير بإعادة التموقع لجنودها في بلد إفريقي آخر.
وبالنظر إلى تأثيرات الانقلاب الذي حصل في النيجر على الخارطة الجيوسياسية في منطقة الساحل وإفريقيا، أكد رئيس المعهد الأوروبي للاستشراف والأمن أنه لن تكون هناك تداعيات أمنية أو استراتيجية كبيرة على المنطقة بسبب ما وقع.
ولاحظ أن روسيا والصين لن تدخلا في اللعبة بل بالعكس هما منزعجتان كثيرا مما وقع، خاصة أنهما وقعتا اتفاقات شراكة تجارية ودفاعية مع الرئيس النيجري المحتجز.
وخلص ايمانويل دوبوي في ختام حديثه الخاص لـ قنا أن تهديدات مجموعة إيكواس باستعمال القوة العسكرية والتدخل في النيجر، لن تنفذ نظرا لأن دول المجموعة ليس لديها الإمكانيات العسكرية ولا المالية للدخول في هكذا حرب.
وعلى الجانب الاقتصادي تحتل النيجر المرتبة الأولى عالميا في احتياطي اليورانيوم والسابعة في إنتاجه، وفقا للرابطة النووية العالمية، وترتبط فرنسا باتفاقيات اقتصادية استراتيجية مع النيجر، وتنشط أكثر من 30 شركة فرنسية كبرى في نيامي، تعد شركة أورانو المتخصصة في إنتاج اليورانيوم أكبرها.
وتعتمد باريس على النيجر في الحصول على 35 بالمئة من احتياجاتها من اليورانيوم، لمساعدة محطاتها النووية في توليد 70 بالمئة من الكهرباء.. من جهته أوضح الدكتور آلان صفا أستاذ الاقتصاد والجغرافيا السياسية في جامعة نيس ورئيس الجمعية الاقتصادية الفرنسية سيمافي الدولية، في إجابته عن هذا السؤال، أن موضوع اليورانيوم مبالغ فيه اقتصاديا بالنسبة لحاجات فرنسا.
ونوه بأنه رغم أهمية النيجر في توريد اليورانيوم عبر الشركة الفرنسية أورانو التي تملك الدولة الفرنسية 90 بالمئة منها، تعتمد فرنسا على أسواق عالمية متنوعة في توريد اليورانيوم، وتحتل كازاخستان ثم أوزبكستان المرتبتين الأولى والثانية ثم تأتي النيجر في المرتبة الثالثة ثم استراليا كرابع مصدر لفرنسا لهذه المادة الاستراتيجية.
في المقابل أكد صفا في حديثه الخاص لوكالة الأنباء القطرية قنا أنه على المدى الطويل هناك تأثير قوي للتحولات التي وقعت في النيجر، على النفوذ السياسي والاقتصادي فيما يعرف بـ "إفريقيا الفرنسية".
ولفت إلى أنه رغم أن النيجر اليوم تنتج 5 بالمئة فقط من الإنتاج العالمي لليورانيوم، ولكن ما يحدث في النيجر يأتي في وقت حساس بالنظر إلى ما يحصل من صراع بين أوروبا وروسيا من خلال الحرب الروسية الأوكرانية، وخلص إلى أنه إذا استمرت الأزمة بين روسيا وأوروبا أكثر، فإن هذا سيجعل أسعار اليورانيوم ترتفع كثيرا في السنوات القادمة وهذا بالتأكيد يخدم أكثر روسيا.
يشار أن النيجر، شهدت في 26 يوليو الماضي، انقلابا أطاح بالرئيس المنتخب محمد بازوم، حيث أعلن قائد الحرس الرئاسي الجنرال عبد الرحمن تشياني نفسه قائدا للمجلس العسكري الجديد.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو