باحثون وخبراء لـ قنا : المجتمع القطري حافظ على جوهر القيم رغم التحولات الاجتماعية
الدوحة في 12 مارس /قنا/ على الرغم من تحولات العصر الحديث وتأثيراتها على النظم الاجتماعية والثقافية وعلاقة الإنسان بمجتمعه، إلا أن المجتمع القطري تفرد بتمسكه الشديد بهويته، محافظا على الجوهر العام للقيم، واستطاع صياغة موقف متوازن بين الأصالة والمعاصرة.
وأكد باحثون وخبراء في الاجتماع والتراث الثقافي في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية "قنا" أن المتغيرات مهما كانت قوتها فإنها نسبية وأن التحولات العصرية تمكنت من أن تلقي ببعض ظلالها على العادات والتقاليد في شهر رمضان الفضيل عن طريق قوة الإعلام ومنطق السوق والتكنولوجيا ووسائط التواصل الاجتماعي ومنصاتها الجديدة، لافتين إلى أن بعض التغيرات لامست المضامين والدلالات المجتمعية للعادات والتقاليد لكنها ساهمت في إثرائها.
وحول التقاليد والعادات في رمضان في ظل التغيرات الاجتماعية، أكد الدكتور عبد الناصر اليافعي أستاذ الخدمة الاجتماعية بجامعة قطر، في تصريح لـ"قنا" أن المجتمع القطري حافظ على روح شهر رمضان المبارك، في الحرص على رضا المولى عز وجل وإعمار المساجد وزيادة العطاء في أداء الزكوات والصدقات وبر الوالدين وصلة الأرحام، مما يحقق صفاء النفس وصفاء العقول وسمو المجتمع.
وتبرز هذه الروح الإيجابية في نماذج وأنماط وسلوكيات تتمثل في التكافل الاجتماعي والأسري والتجمع على موائد الإفطار والتفاعل بين أبناء الحي أو المنطقة.
وأشار إلى أن الدولة خصصت الكثير من الحدائق وأماكن التسوق والمتنزهات والأنشطة الرياضية مما يساهم في مزيد من التفاعل الإيجابي بين أفراد المجتمع.
ولفت الدكتور اليافعي إلى أن أهم مظاهر التغير في العادات والتقاليد يكمن في استخدام التكنولوجيا ووسائط التواصل الاجتماعي في توسيع دائرة التواصل وتقريب البعيد، وأضاف :" كمتخصصين ندعو إلى التفاعل الحي والمباشر وتبادل الأفكار بالوجود في نفس المكان، مما يعزز الألفة والانفتاح ويشجع التحاور والنقاش بين الناس مما يدعم الجوانب الروحية للشهر الفضيل".
من جانبه، أوضح السيد محمد سعيد البلوشي، الباحث والخبير في التراث الثقافي، في تصريح لـ"قنا" أن التغيرات الاجتماعية والثقافية والتحولات الاقتصادية تلقي بظلالها على العادات والتقاليد في المجتمع، انسجاما مع التطور والمؤثرات العامة في وجوه الحياة المختلفة.
وأشار إلى أن الطابع العام للشعائر الدينية في شهر رمضان الفضيل ظل ثابتا فيما يتعلق بارتياد المساجد والانقطاع للعبادة، والاستعداد الروحي والنفسي لأداء الواجبات والمناسك، والفرح العام بقدوم الشهر، وبذل المال والجهد لاستقباله.
أما التغيرات في العادات والتقاليد خلال الشهر الكريم فتبرز في التفاصيل الاجتماعية المتعلقة بالتوازن بين أداء الأعمال والواجبات المهنية وإقامة الصلات الاجتماعية والتواصل وصلة الأرحام، إلى جانب تأثير الإعلام والوسائط التكنولوجية ووسائل التواصل الاجتماعي، وانتقال اللقاءات الجماعية خارج مواقعها التقليدية المعتادة في البيوت.
ولخص البلوشي أهم العلامات الدالة على التغيرات في المشهد الاجتماعي في أن الإفطارات الجماعية التي كان يقيمها وجهاء المجتمع في ساحات بيوتهم، لاستقبال المارة وإكرامهم، صارت تقام في خيام في ساحات أو أماكن مفتوحة.. مما عزز التقليد الأساسي وأضاف عليه في الشكل والأسلوب.
ولفت إلى أن "خيام رمضان" أصبحت تقليدا راسخا ومنتشرا، يتم بواسطته تحقيق أهداف إفطار الصائم، واستدامة ذلك طوال أيام الشهر الفضيل، من خلال تدابير إدارية وتنظيمية تساعد على تحقيق الهدف العام بسلاسة ودقة.
وأشار السيد محمد سعيد البلوشي إلى أن طبيعة المجتمع المعاصر والارتباطات المهنية والالتزامات العملية فرضت جدولا زمنيا واجتماعيا على الأسرة، خاصة فيما يتعلق بالاجتماعات والتواصل الدائم حيث كانت الأسر تلتقي بشكل يومي طوال شهر رمضان.
ومن المظاهر الجديدة الإفطارات والسحور في الفنادق وما يرافقها من أجواء وترتيبات مختلفة عن الأجواء والترتيبات في البيوت وهو مظهر فرضته الحياة الحديثة.
واختتم ملاحظاته بالإشارة إلى أثر السوق في بعض العادات والتقاليد مثل تجهيزات ليلة القرنقعوه في منتصف الشهر الكريم والاستعدادات للعيد، إلى جانب التأثير الواضح للإعلام الجديد والوسائل التكنولوجية في المزاج العام للمجتمع.
ومن جانبه أكد السيد علي عبد الله الفياض الكاتب والباحث في التراث الثقافي في تصريح مماثل لـ/قنا/ أن التغيير أمر لابد منه، فالناس يتغيرون بتغير الأزمان والعصور، وتتغير معهم التقاليد والعادات، فمنها ما يستقر ويتسم بالثبات ومنها ما يتجاوزه المجتمع والناس، ومنها ما يبقى شكله ويتغير مضمونه.
وأشار إلى تغيُّر العادات والتقاليد التي اعتاد عليها المجتمع القطري خلال شهر رمضان الفضيل، حيث كانت هذه العادات تتمثل في تحويل اجتماعاتهم وتجمعاتهم مع كبار السن إلى فرصة لاستعادة الذكريات والتأمل في أحداث الماضي والتعرف على أساليب العيش والتفكير في زمن مضى. ومع التقدم التكنولوجي، أصبحت التلفزيونات والإذاعات ووسائل التواصل الاجتماعي المصادر الرئيسية للمعلومات، مما أدى إلى انشغال الناس بها وتقليل فرص التواصل والحوار المباشر الذي كان يعتادون عليه سابقاً.
ولفت الفياض إلى أن التغيير في الأدوات والوسائل تبعه تغير في المعاني والدلالات أيضا، مثل موضوع المجلس، حيث كان الناس يقولون في أمثالهم: المجالس مدارس، وهو مثل قوي الدلالة على وظيفة المجلس في الماضي، حيث كانت المجالس منابر لرواية الحكايات والأشعار وتدارس أحوال المجتمعات وتبادل الخبرات والمعارف، إلى جانب دورها الأصيل في تعميق الروابط والأواصر بين أفراد المجتمع. إلا أن انتقال أدوات التواصل ووسائله ووسائطه أدى إلى تبدل ملحوظ في التلقي والاستجابة والحوار بين الناس. فأصبحوا يعيشون في عزلة مع جوالاتهم ووسائطهم الافتراضية.
وشدد الكاتب والباحث في التراث الثقافي علي عبد الله الفياض، على ضرورة القبول بمبدأ التغيير والتفاعل مع العصر والاستجابة لمتطلباته، لكن مع التوظيف الصحيح والسليم والمفيد لأدوات العصر ووسائله في تعميق الفهم للحياة والعالم من حولنا، وإثراء هذه الوسائل والوسائط بالمعاني العميقة والدلالات المفيدة، لتعم الفائدة، ويتعزز التواصل بين الناس على أسس سليمة وبناءة، مؤكدا أن شهر رمضان الفضيل هو شهر المعاني العميقة والمعارف التي تثري حياة الإنسان بالمعاني الروحية والمضامين الاجتماعية الهادفة وهو فرصة لجعل الوسائل والأدوات في الحياة الاجتماعية في خدمة هذه المعاني وتلك القيم.
English
Français
Deutsch
Español