العراقيون يحافظون على عادات توارثتها الأجيال في شهر رمضان المبارك
بغداد في 13 مارس /قنا/ يعد شهر رمضان فرصة حقيقية لتعميق الروابط الأسرية وزيادة التواصل الاجتماعي بين الشعب العراقي، ويشهد الشهر الفضيل عادات ومظاهر ترثية مميزة؛ ومن تلك العادات الرمضانية المتوارثة في العراق والتي لا تزال موجودة حتى الآن، تبادل الوجبات الرمضانية بين الأقارب والجيران، خاصة الأصناف والأطباق الجديدة قبل موعد الإفطار، وكذلك حمل بعض المصلين أطباق الطعام إلى المساجد لتشكل مع أذان المغرب مائدة يصطف حولها رواد المسجد لتناول الإفطار، في تقليد حي يرسخ روح المشاركة والتعاضد بين الناس، ويضفي المزيد من الحميمية والروحانية على أجواء الشهر الفضيل.
ومن الأجواء الرمضانية في العراق تبادل الزيارات بين الأهل والأصدقاء والسهر مساء في البيوت، فضلا عن ظاهرة "المسحرجي"، وهو شخصية فلكلورية مشهورة، يطلق عليها في بعض الدول "المسحراتي"، كما يسمى في بعض مناطق العراق، بـ "أبو طبل"، نسبة للآلة التي يحملها وهي "الطبل" التي يدق عليها، وهو يتجول قبل أذان الفجر في الشوارع؛ ليذكر بتناول وجبة السحور قبل أن يرفع أذان الفجر.
ويقول الباحث في الشأن التاريخي مهند الكيلاني في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا": إن أهالي العراق يعتمدون بشكل تام على "المسحرجي" في إيقاظهم، ويعتبرونه من مظاهر شهر الصيام، لكن مع التطور وظهور منبهات الساعات الحديثة، تراجع دور هذه الشخصية رغم اعتياد العراقيين على سماع صوت صاحب الطبل قبل أذان الفجر.
وأضاف أن "أبو الطبل" أو "المسحرجي"، كما نسميه في العراق، هو الشخص الذي يحمل آلة الطبل المعروفة ويلف في الأحياء ويضرب على الطبل وينادي بكلمات مثل: "سحور" و"يا صايم اذكر ربك" وكلمات أخرى لتنبيه النائم كي يستعد للسحور، ويواظب "المسحرجي" على العمل طوال الشهر الفضيل، ونهاية الشهر يجوب الأحياء السكنية ليأخذ العيدية.
وتابع: "ومن المظاهر الرمضانية المشهورة لعبة "المحيبس"، وتتميز بها أمسيات وليالي الشهر الفضيل، وكلمة "المحيبس" مأخوذة من الخاتم، وهي مشهورة في العراق، وطريقة اللعبة تكمن في أن يكون هناك فريقان، يتكون كل فريق من عشرين إلى 30 شخصا، حيث يقوم أحد الفريقين بإخفاء "المحيبس" بين أعضاء الفريق، وتكون مهمة رئيس الفريق المقابل استخراج "المحيبس" من بين أيدي الفريق المنافس، وهذه من الألعاب التي لا تزال مستمرة بين الأحياء والمناطق، وتكون الجائزة عددا من أطباق الحلويات العراقية كالبقلاوة والزلابيا".
ويقول جاسم الأسود رئيس اللجنة المركزية التابعة لوزارة الشباب والرياضة وأحد أبطال العراق في لعبة "المحيبس" لوكالة الأنباء القطرية "قنا": إن تاريخ لعبة "المحيبس" يعود تقريبا إلى ما قبل 300 سنة، وأن هذه اللعبة تعتمد على الفراسة، فالمحترف ينظر إلى عيون اللاعبين ووجوههم وحركات أيديهم، وبذكائه وفطنته يستطيع الحصول على "المحيبس" من يد الخصم، وهذه اللعبة التراثية كانت تمارس في البيوت والمقاهي في الثمانينيات، وفي التسعينيات أصبحت اللعبة تمارسها المحافظات العراقية بشكل رسمي، حيث كان العدد ما بين 200 إلى 300 لاعب، لكن عندما أصبحت رسمية أصبح العدد 100 لاعب لكل فريق، وتدار بين فرق المناطق البغدادية، ويقدر عددها بـ 40 - 50 فريقا، وهناك فرق بارزة معروفة، وفرق المحافظات العريقة مثل: (النجف، كربلاء، الناصرية، صلاح الدين، ديالي، الحلة، البصرة).
وأضاف الأسود أنه قبل حلول شهر رمضان نجري تصفيات، وهناك 32 فريقا في بغداد يجب أن نختار من بينهم 12، ونسميها تصفيات بغداد، وهناك 32 فريقا في المحافظات، نختار من بينهم 28 فريقا، ليصبح العدد الكلي نحو 40 فريقا حتى ندخل التصفيات النهائية.
وعن كيفية العثور على "المحيبس" (الخاتم) كشف الأسود أن تعبير الوجه يكشف أين الخاتم؛ فالشخص الأسمر يصبح لونه الأزرق والأصفر، والشخص الأبيض يصبح لونه الأحمر والأصفر، ويتغير رسم الوجه، إضافة إلى الكشف عن طريق اليد حيث يتبقى لاعبان فقط، ونعرف اليد التي يكون فيها الخاتم، حيث تصبح أكبر والأصبع يكون أعرض، والذي يحمل الخاتم كأنما يحمل جبلا وتتملكه الرهبة، خاصة إذا كان اللاعب الذي يقابله مجتهدا وحاصلا على بطولات.
ودعا الأسود إلى دعم هذه اللعبة وانتقالها إلى دول الخليج وباقي الدول العربية؛ لأنها من تراث العرب، مضيفا أن هذه اللعبة مرتبطة أيضا بالمربعات البغدادية، حيث يقولون: "هلا برمضان وأيامه ولياليه" "أبو جاسم البطل واحنه لواعيبه"، ويشكلون مربعات، وهذه أغاني مختصة بهذه اللعبة من أيام المرحوم صالح العزاوي، وجاسم الشيخلي، وفاضل رشيد، وهم عمالقة المربعات وكانوا زملاء معنا، وهنالك إيقاعات موسيقية عرفت بين الأحياء الشعبية تسمى "الجالغي البغدادي"، تتبعها موائد الحلويات التي تكون متاحة أمام المتبارين بعد انتهاء التنافس والظفر بالخاتم.
ويقول الباحث في التراث البغدادي عادل العرداوي لوكالة الأنباء القطرية "قنا": لا شك أن لعبة "المحيبس" تعد من اللعبات الشعبية المسلية التي يقوم بها المواطن العراقي في ليالي رمضان المبارك، ويعود تاريخها إلى تاريخ بعيد؛ إلى أيام الفترة العثمانية أو أقدم من ذلك، وهي لعبة بريئة وجميلة يفترض بالذي يلعبها أن تتوفر فيه شروط الذكاء والفراسة.
وليس فقط أن يعرف "المحيبس" في أي مكان، و"المحيبس" إما أن يكون من الذهب أو الفضة أو البلاتين، وبه قسم يحتوي على فصوص من الجواهر كالماس أو العقيق أو من الأحجار الكريمة الأخرى، وهناك أسواق متخصصة ببيع وتداول وشراء "المحيبس"، وهي من اللعبات المتوارثة منذ أقدم الأزمان وهي متجددة.
وأضاف أن هناك تقليد "الماجينا"، حيث يتجمع الأطفال في ليالي رمضان ويتجولون في الأحياء القريبة وبين الأزقة، ويقفون أمام أبواب المنازل ويرددون بعض الأهازيج مع استخدام آلة الطبل، مرددين أهزوجة: "ماجينا يا ماجينا حلي الكيس وأعطينا، تعطونا لو نعطيكم، بيت مكة نوديكم ربي العالي يعطيكم"؛ للحصول على الحلوى أو بعض النقود، وكذلك يدعون لصاحب المنزل، وفي هذه الحالة يخرج أهل الدار لإعطاء الأطفال الحلوى، ولكلمة "ماجينا" معان متعددة، لكنها أشبه بتقليد "القرقيعان" في دول الخليج العربي.
English
Français
Deutsch
Español