مناطق الجزائر العتيقة تحافظ على تقاليدها وطقوسها الساحرة في شهر رمضان
الجزائر في 24 مارس /قنا/ تستقطب المناطق التاريخية القديمة في الجزائر، الزائرين وخاصة في شهر رمضان الذي ينجذب فيه كثير من الناس للمناطق التاريخية العتيقة التي يحلو فيها السهر في ليالي شهر رمضان المميزة، وتتجسد تلك الصورة في مناطق عدة في الجزائر أبرزها أحياء القصبة التاريخية وسط الجزائر العاصمة، التي تلفت الأنظار إليها في شهر رمضان خاصة من خلال الأجواء الساحرة التي تعم الشوارع والأزقة خلال الشهر الكريم، بحيث تكتسي المنطقة ثوبا بهيا يربط الماضي بالحاضر، ويعود بالزائر إلى ذكريات الزمن الجميل.
ولعل أهم ما يميز القصبة التاريخية في رمضان هو تراثها العاصمي القادم من مئات السنين، فتتزين شوارعها بالأضواء الملونة واللاصقات المكتوبة يدويا بأدعية وذكر كثير لله.
وقال المؤرخ محمد بن مدور رئيس جمعية عقال بالقصبة في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا": "إنها "لؤلؤة الجزائر"، أو "عروس البحر الأبيض المتوسط"، للقصبة الأثرية ألقاب شهيرة، فقد بناها العثمانيون في القرن السادس عشر الميلادي، لتتحول في العصر الحالي إلى أحد أهم وأجمل معالم التراث الإنساني العالمي، وأحن فعلا إلى أيام رمضان التي قضيتها في القصبة وأنا طفل صغير، لكن الشيء الجميل هو التمسك بعادات رمضان ذاتها".
وأضاف بن مدور قائلا: "عندما تدخل حي القصبة تتغير نظرتك للحياة، هنا مازالت المبادئ والقيم راسخة، التكافل والتعاون، تشارك موائد رمضان..إلخ".
وتعج مساجد القصبة الضيقة بالمصلين مباشرة بعد الإفطار، إذ يتسابقون للظفر بمكان في الصفوف الأولى وهو ما يعتبر فوزا كبيرا بعد يوم صيام شاق كما لسهرات رمضان رائحة مميزة في القصبة، تتعالى أصوات الأطفال الذين يتسابقون إلى بيوت الجيران فالعادة هنا هي تنظيم مائدة السحور كل يوم عند عائلة مع تحضير "بوقالات" وهي عبارة عن أمثال شعبية وحكم يتفاءلون بها، ناهيك عن إبريق الشاي بالنعناع والقرنفل وحلوى الطابع الشهيرة جدا في هذه المنطقة".
وصادفتنا الحاجة فتيحة المولودة بهذا الحي الشعبي العتيق، وقالت لوكالة الأنباء القطرية "قنا": "أعتبر نفسي جزا من الذاكرة الجماعية لمدينة القصبة، فمازلت أحمل تقاليد طفولتي والعادات التي تربيت عليها".
ويبدأ اليوم الرمضاني في أزقة هذه المدينة المصنفة ضمن التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو باكرا، فترى النساء سواسية مع الرجال حاملين قففا مصنوعة يدويا من الخشب تسمى محليا "قفة زمان"، وهذا قصد التسوق واقتناء اللحوم والخضراوات الطازجة لإعداد طاولة إفطار تختلف عن مثيلاتها بأشياء عدة أبرزها عروس المائدة "الشوربة البيضاء" وهي حساء معروف فقط في القصبة وضواحيها مكون من دجاج وشعرية وبيض وحامض، تتم مرافقته بـ "خبز الدار" المخبوز في البيت إضافة إلى الطبق الرئيسي الذي عادة ما يكون "شطيطحة" إما باللحم أو الدجاج مع بعض السلطات ومشروب الشاربات، وعادة ما يفضل سكان القصبة الإفطار فوق أسطح "الدويرات" أو المنازل.
وفي غرب الجزائر، إلى مدينة وهران التي ما إن تذكر حتى يخطر على بال السامع شارع "سيدي الهواري" العتيق، الذي يعتبر من بين أقدم أحياء البحر الأبيض المتوسط، عاصر عدة حقب تاريخية كل منها تركت بصمة في هذا المكان الذي يزداد تميزا بقدوم شهر رمضان، حيث يرتدي حي "سيدي الهواري" حلة جديدة كل سنة مع حلول الشهر الكريم، فبمجرد اقترابك من المكان تعود بالزمن إلى سنين خلت كان كل شيء فيها بمقدار، ويختلف طعم شهر رمضان الكريم في حي "سيدي الهواري" عن أي منطقة أخرى، إذ ينفرد الحي خلال هذا الشهر بنكهة مميزة هي انعكاس لروح أهل هذا الحي، المعروفين بالطيبة والحيوية والمرح ولهجتهم المميزة كذلك.
وكشف البروفيسور، محمد بن جبور، رئيس مخبر البحث التاريخي بجامعة وهران لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، عن أن حي "سيدي الهواري" يشكل موقع بحث متجدد كل سنة، "فطقوس قاطنيه وتقاليده مغايرة، فيها روح مميزة لا يمكن أن نصادفها في أي شارع آخر، ولرمضان بصفة خاصة نفحة فريدة في سيدي الهواري، مبانيه التاريخية وشرفات المنازل القديمة المزينة، الأزقة الضيقة والمتاجر المتزاحمة هي من تعطي شهر الصيام سمة خاصة".
ويضيف بن جبور: "ناهيك عن طبيعة سكان هذا الحي العتيق، إنهم يقدسون شهر رمضان يتفرغون له ويعدون له العدة المادية والمعنوية، نحن نحرص على القيام بأبحاث هذا الحي التاريخي كل سنة".
فبمجرد دخولك هذا الحي يشد انتباهك الزينة الرمضانية في شرفات المباني العتيقة، وتحية (مرحبا بيك خويا، رمضانك مبروك) تسمعها من الصغير والكبير بلهجة وهرانية مميزة.
ومع اقتراب موعد آذان المغرب، تتزين طاولات الإفطار بعديد الأطباق الشهية، تعرف بها مطابخ الغرب الجزائري، والمستوحاة من ترسبات ثقافات كثيرة خلفها وجود الأندلسيين والأتراك والفرنسيين في حقب مضت، أهمها طبق الحريرة التقليدية الذي لا يفارق موائد سكان سيدي الهواري، إضافة إلى "المعقودة، وسمك السردين المقلي".
أما السهرات الرمضانية فيعشقها سكان "سيدي الهواري" في أجواء عائلية قل ما تسمح بها ظروف الحياة والمشاغل اليومية على مدار السنة، وهو ما جاء على لسان "محمد" طالب في جامعة ليل الفرنسية، قائلا لـ "قنا": "إنه لا طعم لرمضان بعيدا عن الأهل وسيدي الهواري"، لذا فهو يصر على قضائه كل سنة مع أهله شأنه في ذلك شأن جل المغتربين".
وأوضح محدثنا أن أهل "سيدي الهواري" لا زالوا متشبثين بكثير من العادات الحميدة التي تكاد تضيع في زحمة الحياة، حيث أن العائلات تحرص على تبادل الزيارات بينها كل ليلة بعد الانتهاء من إقامة صلاة التراويح والتعبد ابتغاء اغتنام فضائل وخيرات الشهر الكريم، فبينما يفضل البعض الاجتماع بالبيت، يختار الكثيرون التوجه إلى قاعات الشاي العائلية لتناول مختلف العصائر والمثلجات، ومن ثمة الاستمتاع بالتنزه في أكبر وأجمل شوارع المدينة.
وبذكر الأحياء التاريخية في الجزائر، لابد من تسليط الضوء على "حي السويقة" بعاصمة الشرق قسنطينة، ولهذا الحي طقوس خاصة جدا في رمضان، فهذه المنطقة التاريخية التي تقع في قلب مدينة الجسور المعلقة، تتميز بأحيائها الضيقة التي تدب فيها الحياة والحركة دون توقف، ولا أحد يتوانى عن زيارة "حي السويقة" والتجوال بين أركانه في رمضان فهو القلب النابض لقسنطينة.
وقال السيد فيلالي عبد العزيز، أستاذ التاريخ بجامعة قسنطينة في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا": إن حي السويقة يعد شاهدا على حقبة تاريخية مهمة عاصرتها مدينة قسنطينة، خلال فترة الاستعمار الفرنسي، ونضال سكان الحي العتيق ضد الاحتلال، مبرزا عادات وتقاليد المدينة وكفاحها المرير إبان ثورة التحرير الجزائرية.
وأضاف: "إن كل ما يميز السويقة خاصة في شهر رمضان هو متوارث ومستمد من التاريخ بحيث حرصت عائلات هذا الحي العتيق على الحفاظ عن الموروث الثقافي والاجتماعي الذي يميزها، وأهمه البساطة المستمدة من الطبيعة فنجد نظام أكلهم صحي ومختلف حتى عن المناطق المجاورة، فحتى اللحم الذي يباع في منطقة السويقة مشهور على مستوى الجزائر، بكل بساطة كل شيء مختلف في هذه المنطقة كأننا في زمن مختلف".
ولا يخلو أبدا "حي السويقة" من الزوار خلال شهر رمضان بسبب امتيازه ببيع مختلف المواد الغذائية بأثمان معقولة، بدءا من اللحوم المتوفرة بكثرة حتى أنك تلاحظ اصطفاف المواطنين عند مداخلها، وإلى جانب هذا هناك محلات لبيع المكسرات والتي بالرغم من أسعارها الرخيصة مقارنة بأسواق أخرى إلا أن جودتها عالية جدا، ناهيك عن محلات بيع حلوى الجوزية والحلويات التقليدية الأخرى كالبقلاوة والمقروط وعصير الشوربات وأكلة الدوبارة وهي التجارة التي تزدهر جدا في هذا الحي، كما تنتشر بكثرة محلات بيع وتقطير الزهر والعسل التي تطغى رائحتها على المكان.
وهنا يشرح "الرشيد" صاحب دكان لتقطير الزهر لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، كيف يصطف الناس عند باب مدخل دكانه الضيق بالعشرات قادمين من مناطق مختلفة للفوز بقارورة زهر نقي وفواح تستعمله المرأة القسنطينية بصفة خاصة في أطباقها الرمضانية المميزة، وأضاف بائع حي السويقة "أن الجزائريين يفضلون هذا الحي التاريخي لاستنشاق رائحة رمضان بعد أن زالت في باقي الأسواق، مؤكدا على أنه لا يوجد ما هو اصطناعي بين كل المواد التي تباع في حي السويقة، كل شيء طبيعي هنا".
والمتجول داخل هذا الحي في شهر الصيام يتملكه الإحساس بالتواجد في فترتين مختلفتين من الزمن، الحاضر والماضي، من خلال المباني الأثرية القديمة والأواني النحاسية التي نجدها داخل كل بيوت حي السويقة التاريخي، وركيزة طاولة إفطار رمضان عند سكان الحي العتيق هي "الصني" وهي عبارة عن دائرة كبيرة من النحاس تشبه في شكلها الطاولة الخشبية المستديرة، لها قاعدة نحاسية يجتمع حولها الصائمون للإفطار.
وتتميز طاولة إفطار سكان "حي السويقة" عن قريناتها بطبق "الجاري" وهو عبارة عن شوربة حمراء حارة تتم مرافقتها بالبريك القسنطيني المتكون من ورق رفيعة من العجين بداخله بيض، بطاطا، سمك الطن وهريسة، إضافة إلى طبق شباح السفرة الفواح برائحة الزهر الطبيعي والقرفة، إضافة إلى السلطة المشوية والعصائر الطبيعية.
ولا يفوت سكان حي السويقة صلاة التراويح والحلقات الدينية التي تضفي على المكان سحرا خاصا وهذا قبل انطلاق السهرات الرمضانية الفريدة بين أزقة الحي الضيقة، يتوسطها إبريق الشاي بالنعناع الذي تتم مرافقته بحلوى مقروط الكوشا المحشو بالتمر الجزائري اللذيذ، ففعلا تنطبق مقولة "العودة إلى الأصل فضيلة" على سكان هذا الحي الجميل.
وإلى ولاية غرداية جنوب الجزائر، وبالضبط في "وادي مزاب" حيث يتميز شهر رمضان بنكهة محلية لن تجدها في أي نقطة من العالم الإسلامي، إذ يبدأ التحضير لهذا الضيف مسبقا بحملة تنظيف شاملة لكل قصور "مزاب" التاريخية، يشارك فيها الكبار والصغار من رجال وأطفال، فيما تهتم النساء بشؤون المنزل أو القصر الداخلية، حيث مازال سكان وادي مزاب بالجزائر يسكنون القصور القديمة التي أعطت لمدينتهم رونقا خاصا.
وقال السيد، مختار بومدين، عضو بالجمعية الثقافية الولائية "تنوين غرداية"، لوكالة الأنباء القطرية "قنا" "إن الحديث يطول على بني مزاب، فهم مختلفون في كل شيء، لغتهم هي المزابية مزيج بين العربية والشاوية والترقية، إلا أن ما يميزهم أكثر هو ارتباطهم الوطيد بدين الإسلام، فكل عاداتهم وتقاليدهم مستمدة من شعائر ديننا الحنيف، إنهم محافظون جدا".
وتابع حديثه قائلا: "رمضان عند بني مزاب بولاية غرداية، غير وأنصح كل مستكشف ومحب للتطلع أن يزور وادي مزاب في رمضان، إنهم يصنعون نمط حياة خاص بهم، حيث تعم الروحانيات هذا الحي ولا تسمع من الأصوات سوى الذكر وتلاوة القرآن، ومنطقة بني مزاب في حد ذاتها إرث ثقافي وجب علينا الحفاظ عليه وعلى هويته المتفردة".
ومن العادات المميزة لمنطقة "مزاب" التاريخية هي مساهمة الأطفال الصغار في أعمال الخير في شهر الصيام، فمباشرة بعد ثبوت الهلال يتناثر الصغار كحبات اللؤلؤ بلباس أبيض ناصع في أزقة البلدة حاملين الخبز المحلي الذي يتم طهيه على الحطب، لتوزيعه على المارة، كما يتعمدون حمل علب معدنية تحدث أصوات كتعبير عن فرحة قدوم رمضان.
وتستعد ربات البيوت لأول يوم صيام بتحضير كسكس القمح أو الشعير مع العسل الطبيعي ولبن البقر لوجبة السحور، كما يتوجب على الأمهات توفير ألبسة بيضاء جديدة لأطفالهن الذين يصومون رمضان أول مرة.
وفيما يخرج الرجال للعمل مباشرة بعد صلاة الفجر، تبدأ النساء يومهن بتحضير الخبز والشوربة إضافة إلى عروس المائدة، الأكلة التقليدية المفضلة "تازميت" التي تعد من الأكلات التي لا يستغنى عنها في رمضان خاصة حين يصوم الطفل لأول مرة، وتحضر هذه الأكلة وهي عبارة عن عجينة من عدة مكونات أساسية تتمثل في مقادير من السميد المقلي والتمر ونوع من الجبن التقليدي المجفف والمطحون المعروف بـ(الكليلة) ويضاف إليها كميات من الدهن البلدي، لتكون بذلك مكافأة لذيذة بعد يوم صيام شاق.
وإذا كانت ربات البيوت بغرداية يعكفن طيلة شهر الصيام على إعداد أشهى الأطباق الرمضانية العصرية منها والتقليدية بكل ما يملكن من مهارات في فن الطبخ فإن الرجال يقصدون بيوت الله للاستمتاع بنفحات ورحمات هذا الشهر المبارك من خلال اكتساب فنون تجويد وتفسير وتلاوة القرآن العظيم.
ومن العادات التي حافظت عليها هذه المنطقة هي إعلان مواعيد الإمساك والإفطار بطلقات البارود أو المدفع، وهي ميزة تحمل في جوهرها مدى تعلق السكان بتلك التقاليد التي تزيد من تماسك الروابط الاجتماعية وديمومتها.
وبعد الإفطار تعج المساجد بالمصلين وتتعالى كلمات كتاب الله في كل الأزقة، فمن عادات بني مزاب الالتزام بصلاة التراويح وصلاة التهجد، إلا أنهم يجدون وقتا لإقامة سهرات وزيارة الأسواق التي تعج بالناس ليلا في لوحة فنية نادرة مزينة بأضواء ملونة ولعل هذا التقليد راجع لعوامل الطبيعة، إذ ترتفع درجة الحرارة في النهار.
وجرت العادة أن تتبادل نساء بني مزاب الأطباق والحلويات فيما بينها، قبل وبعد الإفطار ناهيك عن جمع قطع النقود المعدنية للأطفال الذين أكملوا يومهم الرمضاني كتشجيع ملموس لمواصلة الصيام.
وتتعدد المناطق والطقوس في سائر بلاد المسلمين لكن الثابت الوحيد هو تعظيم وتقديس رابع ركن من أركان الإسلام، فلشهر الصيام مكانة خاصة في قلب كل مسلم.
English
Français
Deutsch
Español