محللون وخبراء لـ قنا: عدم تحقيق الأغلبية المطلقة في الانتخابات التشريعية قد يعطل الحياة السياسية في فرنسا
باريس في 06 يوليو /قنا/ رأى محللون سياسيون وخبراء فرنسيون، أن فرنسا قد تدخل نفقا سياسيا مظلما وتشهد مرحلة من عدم الاستقرار السياسي حال عدم حصول أي من التحالفات السياسية على الأغلبية المطلقة في الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية المقررة غدا الأحد.
وقال المحللون والخبراء، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن عدم تحقيق أي من الجبهات الثلاث المتنافسة في الانتخابات "يمين متطرف - يسار - وسط" على الأغلبية المطلقة في الجولة الثانية من الانتخابات سوف يضع الحياة السياسية في فرنسا أمام حالة تعطل وانسداد تام، ويدخل البلاد في دوامة من الجدل والصراعات السياسية اللامتناهية.
وأكدوا أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة عدم استقرار وعدم يقين سياسي على الأقل لمدة عام، لأن الدستور الفرنسي يمنع الرئيس من حل البرلمان مرة أخرى، وبالتالي ستكون الحياة السياسية الفرنسية "هشة" داخليا وخارجيا، خاصة وأن الرئيس إيمانويل ماكرون سيكون في نهاية ولايته الثانية والأخيرة.
فمن جانبه، حذر ابراهيم أومنصور المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي بمعهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، من التبعات الكبيرة لنتائج الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية، مع توسع نفوذ اليمين المتطرف، ما يضع حزب التجمع الوطني اليميني على أبواب السلطة في الجولة الثانية ويقربه من الحكم، خاصة مع إمكانية حصوله على الأغلبية المطلقة في البرلمان في الجولة الثانية.
وأضاف أن ما سيضع حدا لهذا التوسع السريع لليمين المتطرف في الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية وفي قادم الاستحقاقات الانتخابية، هو سرعة خروج النخبة السياسية المعتدلة من اليسار والوسط واليمين التقليدي، وتجاوزها لحالة الارتباك والتنديد الى حالة الفعل والتكتل والتموقع في جبهة جمهورية ديموقراطية موحدة ضد اليمين المتطرف.
وأشار أومنصور، في تصريحاته لـ "قنا"، الى أن حصول تحالف اليمين المتطرف على الأغلبية في الجولة الثانية من الانتخابات أمر واقعي، ويبقى أمر حصوله على الأغلبية المطلقة التي ستمكنه من الاكتساح وتكوين حكومة تحت رايته مرهون بتمكنه من اقناع جانب واسع من اليمين التقليدي بالانضمام اليه والتحالف معه.
وبالنسبة للجبهة الشعبية الجديدة التي تمثل اليسار، قال إن حصولها على الأغلبية المطلقة يتوقف على تنظيمها الجيد وقدرتها على الدخول في تحالفات جديدة مع الوسط أو اليمين التقليدي، لتصبح أقوى وتتمكن من فرض كلمتها كجبهة موحدة ضد اليمين المتطرف.
ولفت إلى أن جبهة المعسكر الرئاسي الوسطي منقسمة، حيث يوجد بها من يدعون بوضوح للوقوف في وجه اليمين المتطرف والتصويت لجبهة اليسار لتحقق الأغلبية المطلقة، وهناك من يرفض ذلك، وهو ما يصب في صالح اليمين المتطرف.
واعتبر أن السيناريو الأقرب هو حصول حزب التجمع الوطني اليميني وحلفائه على الأغلبية المطلقة في الجولة الثانية من الانتخابات والبرلمان، خاصة في ضوء نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة التي تضعه دوما في المقدمة، لكنه قال إن السيناريو الأسوأ في هذه الانتخابات هو عدم حصول أي من الجبهات السياسية الثلاث "يمين متطرف - يسار - وسط"، على الأغلبية المطلقة، ما يضع الحياة السياسية في فرنسا أمام حالة تعطل وانسداد تام ويدخل البلاد في دوامة من الجدل والصراعات السياسية اللامتناهية، ما قد يدفع الرئيس ايمانويل ماكرون إلى تشكيل حكومة "تكنوقراط" وخبرات بعيدة عن كل تحزب سياسي حتى يخرج من هذا النفق السياسي المظلم.
وأشار ابراهيم أومنصور المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي بمعهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس، في ختام تصريحاته لـ "قنا"، إلى أنه في حالة فوز اليمين المتطرف بأغلبية مطلقة في الجولة الثانية، فإن هذا سيفرض على الرئيس الفرنسي حلين لا ثالث لهما، الأول هو التعايش مع رئيس حكومة من اليمين المتطرف، مع ما يمثله هذا التعايش من صعوبة وتعقيد وتوتر دائم بالنظر إلى القضايا الكثيرة الداخلية والخارجية التي تختلف فيها وجهات نظر الجانبين، والحل الثاني هو اضطرار الرئيس للاستقالة إذا لم يستطع التعايش والحكم جنبا الى جنب مع اليمين المتطرف، وهو سيناريو "كارثي" سيضر بصورة فرنسا في الاتحاد الأوروبي وعلى المستوى الدولي.
بدوره، أكد عمر المرابط المحلل السياسي والخبير المختص في الشأن الأوروبي والعلاقات الدولية، في تصريح مماثل لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن نتائج الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الفرنسية أظهرت أن تصويت الناخبين لحزب التجمع الوطني اليميني وحلفائه ليس تصويتا عقابيا فقط للنخبة السياسية الحاكمة في فرنسا، لكنه يدل أيضا على تغير مزاج الناخبين وتغير شامل في المشهد السياسي الفرنسي برمته، لأن أفكار اليمين المتطرف أصبحت رائجة وتلقى صدى في المجتمع الفرنسي، وخاصة في قضايا الهجرة وانعدام الأمن.
وقال المرابط إنه في ظل هذا التغير "الشامل"، من المحتمل أن يحصل حزب التجمع الوطني وحلفائه على الأغلبية المطلقة في الجولة الثانية غدا الأحد، وهو ما سيفرض على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ضرورة التعايش مع جبهة اليمين المتطرف، وقد تتطور الأوضاع الى حالة عدم استقرار سياسي في المرحلة المقبلة.
وأضاف: "خطورة هذا السيناريو دفعت الرئيس ماكرون إلى تغيير استراتيجيته التي اتبعها في الجولة الأولى من الانتخابات بوضع اليسار واليمين المتطرف في نفس السلة، الى ضرورة التصدي بقوة لتوسع اليمين المتطرف، حيث دعا الرئيس ماكرون وزراءه إلى ضرورة إعادة ثقة الناخبين في تحالف اليسار، لأنه هو الأقدر على التصدي لليمين المتطرف في الجولة الثانية من الانتخابات".
وأشار إلى أن تحالفات الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية تفرض على اليمين المتطرف استقطاب نواب اليمين التقليدي "حزب الجمهوريين" والتحالف معهم إذا أراد أن يحصل على الأغلبية المطلقة في البرلمان القادم، وهو ما قد يحدث حال حصول حزب التجمع الوطني على الأغلبية النسبية، لكنه لم يستبعد كذلك إمكانية أن يحكم حزب التجمع الوطني بالأغلبية النسبية فقط كما فعل المعسكر الرئاسي والرئيس ماكرون في العامين الماضيين.
ولفت إلى سيناريو آخر يتمثل في فوز الجبهة الشعبية الجديدة، ممثلة اليسار، في الجولة الثانية وحصولها على أغلبية مطلقة، خاصة إذا وسعت تحالفاتها مع جبهة الوسط وبعض الرموز المعروفة في الوسط،بعيدا عن حزب الرئيس ماكرون، لكنه رأى أن نسبة نجاح هذا السيناريو تبقى ضئيلة بالنظر للواقع السياسي الفرنسي. واعتبر أن جبهة الوسط والمعسكر الرئاسي في جميع الحالات لن تحصل على الأغلبية في الجولة الثانية.
وأكد أنه في جميع الحالات والسيناريوهات، ستكون المرحلة المقبلة مرحلة عدم استقرار وعدم يقين سياسي على الأقل لمدة عام، لأن الدستور الفرنسي يمنع الرئيس من حل البرلمان مرة أخرى، وبالتالي ستكون الحياة السياسية الفرنسية هشة داخليا وخارجيا، خاصة وأن الرئيس ايمانويل ماكرون سيكون في نهاية ولايته الثانية والأخيرة.
وقال عمر المرابط المحلل السياسي والخبير المختص في الشأن الأوروبي والعلاقات الدولية، في ختام تصريحاته لـ "قنا"، إن "التعايش المضطر" بين الرئيس ماكرون وحزب التجمع الوطني حال حصول جبهة اليمين المتطرف على الأغلبية المطلقة في الجولة الثانية، لن يكون تعايشا صعبا لأن الرئيس ماكرون يتفق مع اليمين المتطرف في الكثير من القضايا وخاصة في السياسة الداخلية والأمن والمهاجرين، حيث كانت سياسته في هذه المسائل أقرب الى اليمين المتطرف منها الى الوسط أو اليسار.
من جانبه، قال الدكتور جمال بن كريد المحلل السياسي وأستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة السوربون، إن هناك ثلاثة سيناريوهات في الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية، يتمثل الأول في حصول حزب التجمع الوطني وحلفائه على الأغلبية المطلقة، وهذا ما يقلل مجال المناورة السياسية للرئيس ماكرون ويفرض عليه تعيين رئيس حكومة من اليمين المتطرف، والثاني هو فوز حزب التجمع الوطني بأغلبية نسبية وليست مطلقة، وفي هذه الحالة يجد اليمين المتطرف نفسه مضطرا لاختيار رئيس وزراء بطريقة سياسية تخضع لاختيار صناديق الاقتراع.
وأضاف بن كريد، في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن السيناريو الثالث يتمثل في عدم تمكن أي من الجبهات الثلاث "اليمين المتطرف والوسط واليسار"، من الحصول على أغلبية مطلقة، وهذا سيفرض على رئيس الجمهورية تكوين حكومة خبرات، أو أن يحكم الرئيس بمفرده باستخدام المادة 8 من الدستور التي تنص على أنه يمكن للرئيس أن يحكم بالأوامر، لأن هناك خطر يعيق الأداء الأمثل للمؤسسات، وفي هذه الحالة يتمتع الرئيس بجميع صلاحيات الحكم والتشريع بالأوامر.
وخلص أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة السوربون الى أن التعايش بين الرئيس ماكرون، وجوردان بارديلا مرشح اليمين المتطرف لرئاسة الوزراء، ممكنة وفق فنون السياسة، لأن السياسة هي فن التسوية، ولأن طبيعة السلطة الدستورية في فرنسا تلزم رئيس الدولة بقبول الواقع السياسي وإرادة الشعب.
وتصدر حزب التجمع الوطني اليميني وحلفاؤه نتائج الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية بحصوله على أكثر من 33 بالمئة من أصوات الناخبين، فيما حلت الجبهة الشعبية الجديدة (تحالف اليسار) في المركز الثاني بنسبة 28 بالمئة من الأصوات، وجاء التحالف الرئاسي (الوسط) ثالثا بنسبة 20 بالمئة من الأصوات، وحل حزب الجمهوريين (يمين تقليدي) رابعا بنسبة 6.7 بالمئة من الأصوات.
يشار إلى أن الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) تتألف من 577 مقعدا، بما في ذلك 13 مقاطعة خارجية و11 دائرة انتخابية تمثل المغتربين الفرنسيين في الخارج، وللحصول على الأغلبية المطلقة في البرلمان يحتاج الحزب إلى 289 مقعدا، وتستبعد الجولة الأولى في الانتخابات التشريعية، جميع المرشحين الذين فشلوا في الحصول على 12.5 بالمئة من الأصوات، كما أن أي شخص يحصل على 50 بالمئة من الأصوات بنسبة مشاركة لا تقل عن ربع الناخبين المحليين يفوز تلقائيا.
English
Français
Deutsch
Español