في اليوم الدولي لمكافحة الاتجار بالممتلكات الثقافية.. مسؤولون لـ"قنا": ضرورة تضافر الجهود الدولية لاسترداد الآثار العربية المهربة
الدوحة في 13 نوفمبر /قنا/ أكد عدد من المسؤولين في قطر والعالم العربي ضرورة تضافر الجهود الدولية لاستراد الآثار والمخطوطات والممتلكات الثقافية، التي خرجت من بلادها بطرق غير شرعية.
وقالوا في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، الذي يوافق الرابع عشر من نوفمبر كل عام: هناك ضرورة للتعاون الدولي ومواجهة التحديات التشريعية التي تحول دون رجوع هذه الآثار إلى بلادها الأصلية، مؤكدين أن التجارة غير المشروعة في الممتلكات الثقافية لا تحرم الناس من تاريخهم وثقافتهم فحسب، بل تضعف أيضا التماسك الاجتماعي، وتغذي الجريمة المنظمة.
وحسب قاعدة بيانات المنظمة الدولية للشرطة الجنائية "الإنتربول" -قاعدة البيانات الوحيدة على المستوى الدولي- فإن عدد الأعمال الفنية المسروقة تبلغ 52 ألفا، حول العالم، بالإضافة إلى الأعمال غير المبلغ عنها في مختلف الدول.
ويمثل الاتجار بالممتلكات الثقافية ثالث أكبر نشاط إجرامي دولي، لا يسبقه سوى تجارة المخدرات والأسلحة، ويقدر الخبراء -حسب تقارير دولية- أن إجمالي الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية قد يصل بشكل منفصل إلى 10 مليارات دولار كل عام، وقد ارتفع هذا الرقم خلال العقد الماضي، بحسب الإنتربول.
ويعاني عدد من الدول العربية من عمليات نهب واسعة لآثارها منذ عشرات السنين، حيث تشير الإحصائيات الرسمية في مصر إلى أن أكثر من 32 ألف قطعة أثرية تمت سرقتها على مدى 50 عاما، وفي اليمن فقد أكثر من 14,000 مخطوطة، ولم يتضح حتى الآن مصيرها، الأمر ذاته في العراق الذي تعرض لأكثر عمليات سطو على آثاره سواء في المواقع الأثرية أو المتاحف، وكذلك في السودان وليبيا.
وفي هذا الصدد، قال سعادة السيد راجح بادي سفير الجمهورية اليمنية لدى الدولة، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا": إن اليمن من أكثر الدول التي تعرضت ممتلكاتها الثقافية وآثارها التاريخية للنهب والاتجار غير المشروع، خاصة خلال السنوات العشر الماضية؛ بسبب الحرب الدائرة في البلد الذي يتمتع بالغنى الحضاري وامتلاك مخزون كبير جدا من الآثار والممتلكات الثقافية الناتجة عن حضارات ممتدة لآلاف السنين، وضاربة في جذور التاريخ.
وأضاف أن هذه الحرب ساهمت في الاتجار بالآثار اليمنية وتهريبها خارج البلد، فتضرر هذا المخزون والإرث الثقافي الذي يعد ملكا للأمة العربية والبشرية وليس اليمن وحده، مشيرا إلى أن الحكومة الشرعية، بالتعاون مع كثير من الجهات خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، عملت على استعادة الكثير من هذا الآثار والمخطوطات التاريخية، التي وصلت إلى أراضي الولايات المتحدة، وبعضها وصل إلى بريطانيا، مؤكدا أن الممتلكات التي تم استردادها تعتبر جزءا بسيطا مما نهب حتى الآن.
وأوضح سعادة السفير اليمني لدى الدولة أن العصابات استغلت الانفلات الأمني فتاجرت في الممتلكات الثقافية، خاصة المخطوطات، ومنها مخطوطات نادرة متعلقة بديانات غير إسلامية، ووصل عدد من هذه المخطوطات إلى الكيان الإسرائيلي.
وأعرب عن أمله في وجود تعاون أكبر وأشمل بين الدول في جامعة الدول العربية أو في دول الجوار بمجلس التعاون لدول الخليج العربية، لمساعدة الحكومة وتدريب الكوادر لإيقاف هذه الجرائم، مثمنا في الوقت ذاته دور دولة قطر، ممثلة في مكتبة قطر الوطنية، التي قامت بتدريب عدد من الخبراء لمواجهة التهريب.
ومن جهته، أكد الدكتور زاهي حواس وزير الآثار المصري الأسبق وعالم الآثار، في تصريح مماثل لـ"قنا"، على أهمية التعاون الدولي لتبني السبل الكفيلة بمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، واتخاذ التدابير اللازمة لاستعادة الآثار المسروقة.
ودعا حواس الدول التي تتعرض آثارها وحضارتها للسرقة، إلى ضرورة الاتفاق على تنظيم مؤتمر دولي بحضور منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، بهدف تعديل القوانين والتشريعات المجحفة التي تمنع عودة الآثار المسروقة، مشيرا في هذا الصدد إلى اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي التي اعتمدتها اليونسكو في عام 1972، والتي تمنع استرداد الآثار التي تمت سرقتها قبل تاريخ اعتماد هذه المعاهدة الدولية.
ونوه عالم الآثار المصري بوجود أدلة كثيرة للغاية تثبت سرقة الآثار قبل عام 1972، بما يحتم تعديل أي قوانين تمنع الدول ذات الثقافات والحضارات من حقها في استرداد آثارها المنهوبة.
وبدورها، قالت السيدة لمى الدوري مدير عام دائرة المتاحف في الهيئة العامة للآثار والتراث العراقية، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا": من الصعب إحصاء الآثار التي خرجت من العراق بطرق غير مشروعة؛ لأن ما يسرق الآن من الآثار العراقية عن طريق النبش العشوائي للمواقع الأثرية بالآلاف والأرقام في تغيير، أما ما تم نهبه من آثار المتحف العراقي فيقدر بـ 15 ألف قطعة أثرية مسجلة.
وأضافت الدوري أن هناك جهودا حكومية متواصلة لاسترداد ما تمت سرقته من آثار، فهناك استرداد داخلي لقطع أثرية مسروقة وموجودة داخل العراق ومعدة للتهريب، وقد وصل العدد المسترد الى 33014 قطعة أثرية من داخل العراق منذ 2003 حتى العام الجاري، أما بالنسبة للقطع المستردة من خارج العراق والتي استقرت في المزادات والسوق السوداء فقد بلغ عددها 26233 للفترة من 2019 وحتى 2024.
وأكدت مدير عام دائرة المتاحف في الهيئة العامة للآثار والتراث العراقية على ضرورة التعاون الدولي بصورة أكبر لاسترداد الممتلكات الثقافية المهربة إلى الخارج، وقالت: نحتاج إلى إثبات ملكية القطع، إما عن طريق الرقم المتحفي وهذا في كثير من الأحيان لا نجده لأنها قد تكون مسروقة من الموقع الأثري فنضطر الى اعتماد مبدأ المقارنة والتشابه، حتى وإن كانت القناعات متوفرة لدى الجهات الأخرى بملكية القطعة للعراق، مشيرة إلى أن وزارة الثقافة وهيئة الآثار وتحديدا دائرة المتاحف هي المسؤولة عن عملية متابعة القطع الأثرية سواء في الداخل او الخارج، وأن هناك جهودا حثيثة في هذا المجال بالتعاون مع وزارة الخارجية العراقية.
وفي إطار جهودها المتواصلة للحفاظ على التراث الثقافي ومكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، تنهض مكتبة قطر الوطنية بدور بارز في حماية التراث العربي والإسلامي، خاصة في ظل التحديات العالمية المعاصرة التي تواجهه.
وحول جهود المكتبة ومبادراتها الإقليمية الرامية إلى حماية التراث وتعزيز الوعي بأهمية صونه للأجيال القادمة، أوضح السيد مكسيم نصرة، رئيس قسم الحفظ والصيانة بمكتبة قطر الوطنية، أن المكتبة الوطنية من أهم المؤسسات الرائدة في حفظ التراث الثقافي في الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، ففي عام 2015، اختيرت المكتبة من قبل الاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات لتكون مركزا إقليميا للحفظ والصيانة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو ما يعكس التزامها العميق بحفظ التراث الوثائقي.
وقال: في عام 2020، أطلقت المكتبة مشروع "حماية" الذي يهدف إلى تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجال حماية التراث الثقافي ومكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، مع التركيز بشكل خاص على التراث الوثائقي، وقد نظمت المكتبة في إطار هذا المشروع العديد من ورش العمل والدورات التدريبية والمؤتمرات التي تناولت موضوع حماية التراث الثقافي ومنع الاتجار غير المشروع به، وركزت على عدة موضوعات رئيسية، مثل: الإطار القانوني الدولي والإقليمي، ويتضمن اتفاقيات مثل اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، واتفاقية اليونسكو لعام 1970، واتفاقية اليونيدروا لعام 1995 حول الممتلكات الثقافية المسروقة أو المصدرة بطرق غير مشروعة، وكذلك الأدوات العملية لمكافحة الاتجار، مثل قاعدة بيانات الإنتربول للأعمال الفنية المسروقة، والقوائم الحمراء الصادرة عن المجلس الدولي للمتاحف، وإجراءات الممتلكات الثقافية المعروضة للبيع عبر الإنترنت.
وشدد السيد مكسيم نصرة، رئيس قسم الحفظ والصيانة بمكتبة قطر الوطنية، على ضرورة تحديث الأطر التشريعية والقانونية لمواكبة التطور الرقمي، ووضع ضوابط وآليات قانونية تحمي التراث الثقافي وتكافح الجرائم الرقمية المتعلقة به، خاصة في ظل التحديات المعقدة التي تتطلب تنسيقا وتعاونا بين العديد من الجهات والمؤسسات المعنية، وموضحا أن الخطوة الأولى والأساسية تتمثل في عملية الجرد والتوثيق، بالإضافة إلى التدريب المستمر للمختصين في سلطات الجمارك وإنفاذ القانون، مؤكدا ضرورة تعزيز التعاون وتضافر الجهود بين الدول في مكافحة تهريب الممتلكات الثقافية.
ومن جهته، أكد السيد محمد همام فكري، مستشار التراث والكتب النادرة بمكتب المستشار الثقافي في مؤسسة قطر، أن الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية له جذور تاريخية نشأت مع بداية الحروب وما يصاحبها من نهب وسلب للمقتنيات الثقافية، ومن ثم تذهب إلى الدول الغازية، وبعضها يوضع في المتاحف العامة، وبعضها يظل مع الغزاة، ومن ثم تنشأ سوق موازية للمتاحف، وهي سوق الاتجار بالمقتنيات الثقافية، لافتا إلى أن من أسباب الظاهرة أيضا حدوث كوارث طبيعية.
وقال إن من أسباب التفكير في إنشاء منظمة الأمم المتحدة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" التصدي لهذه الظاهرة، لافتا إلى أنه مع تطور الأمور وزيادة الإقبال على الآثار والمخطوطات النادرة أصبحت تباع هذه المقتنيات بأسعار باهظة ما زاد السرقات والنهب، فبدأت السرقة أيضا من المتاحف لعرضها على متاحف ناشئة أو أسواق موازية، ما ينشط حركة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية التي تعتبر سلبا لهوية البلد وتاريخه.
وطالب السيد محمد همام فكري القائمين على العمل الثقافي من متاحف أو مكتبات أو دور حفظ ثقافي أو مراكز ثقافية، بضرورة الامتناع عن شراء مقتنيات مشبوهة أو مشكوك في مصدرها. وقال: نحن كمراقبين نرى أنه عندما خرجت مثل هذه المقتنيات، حفظت بشكل غير شرعي في البلدان التي آلت إليها؛ لذلك، فهناك تيار الآن يريد أن يتبنى إعادة المقتنيات إلى مهدها، وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه القائمين على العمل الثقافي، الرسمي وغير الرسمي، وأيضا على مستوى المنظمات العالمية.
يشار إلى أن اليونسكو اعتمدت الاحتفال باليوم الدولي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية في 14 نوفمبر من كل عام، خلال الدورة الأربعين لمؤتمرها العام، والتي عقدت في عام 2019؛ بهدف لفت الانتباه إلى هذه الجريمة وسبل مكافحتها، وكذلك إبراز أهمية التعاون الدولي في هذا الصدد.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو